فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 127

ثم جاء بعده علم آخر في القرن السادس الهجري، هو ابن جبير (محمد بن أحمد أبو الحسن) (22) ، صاحب (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار) المعروفة بـ (رحلة ابن جبير) وهي خلاصة رحلته الأولى للحجّ التي دامت سنتين (23 ) وقد سجّلها على شكل مذكّرات بعد عودته إلى (غرناطة) التي وصلها في الثاني والعشرين من المحرم، سنة خمس مئة وثمانين (20 أفريل 1185.) وقد ذكر فيها"بدقة فائقة جميع مراحل رحلته" (24) وارتقى بها في الأخير إلى مستوى أدبي رفيع في عصره، وأهّلها لأن تكون"نموذجًا لا ينازع على أفضل ما كتب في أدب الرحلة الخالص في العصور الوسطى... ما صبغ رحلات سابقيه من تداخل واسع بين شتَى الموضوعات، وبذلك اتسمت بطابع أدبي أنقى، فكانت أكثر آثار العصور الوسطى قيمة في هذا المجال (25) ."

وقد خطت الرحلة في الأدب العربي بعد (ابن جبير) خطوات أخرى متقدمة بمستواها الأدبي واتساع مجالها الجغرافي، انتقلت إلى مستوى عالمي أوسع على يد الرحالة ابن بطوطة (أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي) (26) الذي جاب الآفاق البعيدة انطلاقًا من رحلته إلى الحجاز للحجّ، الرغبة التي كانت تشتد في نفسه، فسافر"معتمدًا حجّ بيت اللَّه الحرام وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، منفردًا عن رفيق آنس بصحبته، وركب أكون في جملته لباعث على النفس شديد العزائم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازم، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور، وكان والديّ (27) بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصبا، ولقيت كما لقيا من الفراق نصبا، وسني يومئذ اثنتان وعشرون سنة" (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت