فهرس الكتاب
إن الأسلوب النقدي الذي يتبعه أفراد هذه الجماعة في تقديرهم للجميل، كثيرًا ما يقف في سبيل الخيال الطليق الفياض، ويحول بينه وبين التعبير عن نفسه بملء حريته، ويدعو الفنان إلى محاكاة نموذج مثاليّ معيّن.
نتيجة لذلك، راح هؤلاء النقاد ينظرون إلى الشعر من الناحية الشكلية اللغوية، بعيدًا عن معانيه وأغراضه الأساسية، وعن تأثرّه بالحقيقة والواقع، أو الخيال والوهم، وعن مدى تأثيره في نفس المتلقي وإثارته لشعوره الوجداني أوالعاطفي (85) .
ولعلّ أحدًا يتساءل هنا عن سبب تقصير القدماء في نظرتهم إلى الشعر، وعن سبب عدم تماسك تصوّرهم لطبيعة الفن الشعري (86) . فيجيب محمد النويهي عن هذا التساؤل بقوله: إن البلاغيين والنقاد والقدامى لم يقصّروا تقصيرهم ذاك، ويقعوا في أخطائهم تلك، إلاّ لأنهم - أصلًا - لم يفهموا ما الأدب، ما كنهه، ما دوافعه، ما منشؤه من النفس الإنسانية، ما وظيفته، ماذا يحاول، لماذا تحتاج إليه الإنسانية، لماذا يهتم الأدباء بإنتاجه، بل يساقون سوقًا لايستطيعون له دفعًا، ويكلفهم الكثير من الجهد، ويفرض عليهم الكثير من التضحيات، كيف نتلقى إنتاجهم، وماذا يجب علينا أن نحاول التقاطه منه، وما طبيعة التجربة الفنية، وما علاقتها بالتجربة الواقعة، فيم تزيد عليها، فيم تتفق التجربتان وفيم تختلفان ؟" (87) ."
هذا هو السبب في قصور نظرة القدماء إلى الشعر، وفي عدم تماسك تصوّرهم لطبيعة الفن الشعري، الأمر الذي أدّى إلى التناقض في الكثير من آرائهم النقدية.
( هوامش نظرية العمود وجمود الشعر:
(1) إحسان عباس: تاريخ النقد 160
(2) انظر: نظرية المحاكاة لعصام قصبجي 80
(3) انظر إحسان عباس: فن الشعر 144، ط3 دار الثقافة، بيروت، د. ت
(4) محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث 410، دار الثقافة ودار العودة ،بيروت، 1973
(5) انظر أرسطو طاليس: في الشعر 258 ومابعد، وهذا رأي عبد القاهر الجرجاني أيضًا.