فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 122

وإلى جانب هذه العوامل، كانت هناك عوامل أخرى تدعو إلى البقاء في إطار التقليد. من هذه العوامل: التحدّي الشعوبي، واتصال الشعر بالدين وطلب الشعراء للشهرة والانتشار. يقول محمد مندور:"لقد جاء العصر العباسي (2) .وأخذ العرب يجدّون في جمع تراثهم الروحي. وكان من الطبيعي أن ينصرف أول جهدهم إلى المحافظة على لغتهم من العجمة، التي أخذت تتسرّب إليها بعد الفتوحات. وعلى سلامة تلك اللغة يتوّقف فهمهم لمصادر دينهم، وهو أعزّ ما يملكون. ولذا حرص علماؤهم على تدوين الشعر القديم، يتخذونه حجّة في تفسير القرآن والحديث. ولم يكن يشغلهم، إذ ذاك، جمال ذلك الشعر، قدر ما شغلتهم صلاحيته للاستشهاد. فاتصال الشعر بالدين هو السبب الأكبر في الانتصار للقديم. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل امتدّ إلى الشعراء أنفسهم، إذ لم يروا بدًّا - لكي يروى عنهم شعرهم وينتشر - من أن يحاكوا الشعر القديم، لافي أسلوبه فحسب، بل في بنائه الفني". (3) .

فكان لابدّ، وقد تفاعلت هذه العوامل بعضها مع بعض، أن ينشأ صراع بين الحضارة الجديدة والتقليد المتوارث، مما أدّى إلى بروز ازدواجية في الحياة والفكر العربيين (4) فقد كانت الحضارة الجديدة تدفع الحياة العربية إلى الأمام، فتندفع في الحضارة المادية، على حين"كانت تنجذب إلى الوراء بحكم الدين وبحكم اللغة" (5) .

إن ارتباط الدين باللغة كان سببًا هامًا في تقصير الشعر عن مجاراة الحياة الجديدة والتعبير عنها. فاللغة العربية، بحسب طه حسين"لغة دينية، والاحتفاظ بأصولها وقواعدها، والاحتياط في صيانتها من التطور وآثاره السيئة، واجب ديني، لا سبيل إلى جحوده أو التقصير فيه" (6) . لهذا عُدّ أي خروج على اللغة خروجًا على الدين، وقوبل بالسخط والرفض والعداوة. (7) . ولهذا أيضًا، كان لابدّ لأيّ تجديد أن يقترن بالخروج على الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت