فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 122

ولعلّ أبا نواس أبرز من حمل لواء التجديد في ذلك العصر، مع بشار بن برد (15) ، ومسلم بن الوليد (16) . غير أنه برّز على صاحبيه، فكانت له تلك المكانة المتميزّة في التجديد في تاريخ الشعر العربي. وسبب ذلك يعود إلى أنه"لم يكتف كصاحبيه بما قام به من تجديد يلائم روح العصر ويبدو في صورة تطور طبيعي لا يمثل ثورة واعية على القديم، بل هاجم مع هذا تقاليد القصيدة العربية القديمة هجومًا عنيفًا، وسخر في شعره من مطالعها التقليدية التي تتحدث عن الأطلال وبكاء الآثار والدِمَن، فعدّه لذلك نقاد الشعر ومؤرخوه مجددًا ثائرًا، وعدّوا الدور الذي قام به خصومة واعية بين الجديد والقديم، وإنْ كانت خصومة من جانب واحد، إذ لم يقم حوله من الجدل ما قام حول أبي تمام، ولم ينقسم الناس حوله إلى أنصار وخصوم" ( 17) .

ولعل سبب عدم انقسام الناس حوله إلى أنصار وخصوم، يرجع إلى أنه في تجديده ثار على العرف العام وعلى موضوعات الشعر دون أن يتنكب عن عمود الشعر العربي. والدليل على ذلك أنّ النقاد القدماء كانوا راضين عنه جملة، ماعدا إفحاشه في القول وجرأته على العرف وخروجه عن العادات الحميدة" (18) ."

ويُسْتشْهد على ذلك بقول الجاحظ في أبي نواس:"ما رأيت رجلًا أعلم باللغة من أبي نواس، ولا أفصح لهجة مع مجانبة الاستكراه". ويذكر أيضًا قول ابن السكيت في الرواية:"إذا رويت من أشعار الجاهليين فلامريء القيس والأعشى، ومن الإسلاميين فلجرير والفرزدق، ومن المحدثين فلأبي نواس فحسبك". (18)

لقد كان أبو نواس ينزع في تجديده إلى الثورة على عمود الشعر، غير أنه بقي يرسف فيه، لهذا لم يثر النقاد عليه. هذا في حين ثاروا على أبي تمام لأنه تناول في تجديده"بنية الشعر وتركيبه، أو عموده كما يقول النقاد القدماء" (19) ولأنه اتخذ من هذه الثورة مذهبًا طبقه في شعره دون أن يدعيه ادّعاءً (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت