لهذا لم ينشأ صراع أو خصومة حول شعر الأمويين. وتعليل ذلك"أنهم لم يحدثوا شيئًا يخرجون به على طريقة العرب فنيًا (وإن جدّدوا في الموضوعات) ، وأنهم في خروجهم، أو خروج بعضهم - على الأصح، لأن أخبار هذا الخروج تدور على شعر الفرزدق وحده - لم يعدمَوا من يحتج لهم من علماء العربية أنفسهم، وأنّ معاصرتهم علماء العربية - وهي سبب من أسباب تقليل شأنهم لدى العلماء في رأي ابن قتيبة - مسألة كفلت السنون بمرها إهمالها" (12) .
إن التجديد الفعلي في الشعر إذًا، لم يحدث إلاّ في العصر العباسي، وسط مناخ جديد، أقلّ ما يقال عنه: إنه ثورة على كل التقاليد وسبيلٌ إلى أيّ تطوّر. فقد كانت"ظاهرة الإباحة والإسراف في حرية الفكر وكثرة الازدراء لكل قديم، دينًا كان هذا القديم أم خلقًا أم سياسة أم أدبًا، ظاهرة غريبة مدهشة في هذا العصر" (13) .
فانتصرت، نتيجة ذلك، الحضارة الجديدة في العصر العباسي. وكان انتصارها عامًا شمل الحياة المادية والفكرية، فكان لابد أن يتأثر الأدب أيضًا بذلك، ويتغيّر خطابه. فمع انتصار الحضارة العباسية:"اشتدت رغبة العرب من أهل المدن على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم الاجتماعية، وكان هذا الانتصار عامًا، تناول الحياة المادية والعقلية، وتناول معهما حياة الشعور. ففكر العرب المحدثون بطريقة تخالف مخالفة شديدة تفكير العرب القدماء، وعاشوا كذلك في دورهم وقصورهم عيشة تخالف عيشة آبائهم، وظهرت عندهم العلوم وضروب الفلسفة، وتغيّر لهذا كله حسّهم وشعورهم، فتغيّر لسان هذا الحسّ وهذا الشعور، وهو الأدب، نثرًا كان أو شعرًا" (14) .