فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 122

الخصومة بين الطائيين تعبير عباسي عن الخصومة بين القدماء والمحدثين (1) . ولعلّ هذه الخصومة فريدةٌ في تاريخ الشعر العربي، إذ لاترقى إليها الخصومة حول شعر المتنبي. فأبو تمام يمثّل مذهبًا شعريًا جديدًا، يقابله مذهب آخر، ثم إن في شعره خروجًا على عمود الشعر العربي، يقابله شعر يمثّل القيم الفنية التقليدية. أما المتنبي فلايمثل مذهبًا خاصًا، وما أخذ عليه من عيوب وأخطاء يعدّ خصائص ذاتية. لهذا كله، اتخذت الخصومة حول مذهب أبي تمام طابع الموازنة بين مذهبين يمثلان القديم والجديد. وكان هدف النقاد، في ذلك، الحكم لأحد هذين المذهبين (2) .

وإذا كانت هذه الخصومة قد أتاحت للنقاد فرصة ذهبية، لتأسيس قواعد نقدية جديدة تتناسب مع الشعر الجديد، فإن النقد في القرن الثالث الهجري، كان دون مستوى الإبداع الشعري. وتعليل ذلك أن جهود النقاد قد اقتصرت"على قبول الشعر المحدث، فهم لم يعرفوا كيف يكتشفون معنى التحوّل الذي حققه أو طمح إليه، ولم يعرفوا بالتالي، كيف يُنظّرون له. ولهذا بقي التنظير الاتباعي سائدًا" (3) .

لقد وجد النقاد أنفسهم أمام مذهب جديد، فحاروا في تفسيره، ولم يتمكنوا من الكشف عن خصائصه،"فذهبت طائفة إلى إنكاره تبعًا لإنكارها ما خالف عمود الشعر المألوف، وذهبت أخرى إلى قبوله لما فيه من روح جديد، ولم تحاول كل منهما أن تكشف طبيعة هذا الاتجاه الجديد وخصائصه، على نحو ما حاول ذلك نفر من النقاد في العصر الحديث" (4) . وما سبب هذا التقصير في موقف النقاد، إلا أن كلًا من الطرفين المتصارعين كان ينظر"إلى المسألة من زاوية واحدة تناسب رأيه الشخصي، ويغمض عينه عن بقية الزوايا. فالأنصار يركزون اهتمامهم على محاسن (أبي تمام) محاولين فتح أعين الناس عليها، والخصوم يعكسون الوضع فيهتفون بما يأخذونه عليه من مآخذ، ويصمّون الآذان عمّاله من محاسن" (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت