فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 268

إن تلك الحضارة بتوضعاتها الجغرافية المتعددة هي الناتج الاناسي المعرفي لتطور أمّةٍ واحدة."وإن هذه المناطق الحضارية لم تكن تخصُّ أممًا، بل أمة / متشعّبة/" (54) تركزت أسسها الحضارية في كل مواقع هذا الوطن الجليل، ومن أهمها، والتي تستوجب الوقفة المعرفية، حضارة جنوب بلاد الرافدين. لقد تميَّزت المرحلة السابقة للتاريخ بالتراكم الاقتصادي- الزراعي- البضاعي مما أدى إلى التخصص في العمل والوظائف. وتطوير المقدرات التقنية وجوانبها الانتاجية، مما أدى إلى تشكل طبقة إدارية خاصة من رجال الدين بحيث تتحول البنية المثيولوجية من ثيولوجيا الجماعة الكتلة إلى مؤسسة دينية قادرة على الربط والتمييز بين المعبود والمكان.وهذا لم يكن مجرد طفرة في الزمان أو تأسيسًا من خارج المكان البشري، بل كان نتاجًا موضوعيًا وطبيعيًا لحركية الكتلة الاجتماعية، بحيث أصبح النتاج الحضاري بإحداثياته الأناسية واسمًا للجماعة التي تقطن تاريخية هذا المكان. وهذا ما يعطي التحديد بُعْدَيْهِ الأفقي والعمودي. فلا تبدو مسألة الوحدة السياسية الكيانية في ذلك الزمن بتعبيرها المعاصر إلاّ شكلًا من الفانتازيا، كسؤالنا تمامًا، عن طبيعة البث التليفزيوني وبرامجه في مراحل ما قبل التاريخ فهذا النتاج الموضوعي والعضوي ببعديه الأفقي والعمودي كان موسومًا بوحدة عناصره التكوينية البنائية مما يعطي كل المكوِّنات اللازمة للوحدة الأناسية المعرفية ببعديها الجغرافي والتاريخي الواسمين لاحداثيات ذلك الزمن الاجتماعي.

وهنا يبدو مفهوم الكتلة فعلًا بنائيًا قائمًا في لب الحركية الأناسية، مرتبطًا عضويًا بما قبلها وبما بعدها، فلايمكننا عزل مرحلة كتلية"بمفهوم الزمن الاجتماعي"عن سابقتها ولاحقتها، كما لايمكن أن نُدخل قسرًا حركية كتلة من خارج السياق العام الموضوعي للتطور الأناسي، إلاَّ إذا كانت موسومة بنفس الملامح والعلامات الثقافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت