فهرس الكتاب
فالتحكم بموقع الحقل، وبجودة المحصول وكميته أدى إلى رؤية خاصة لقوة العمل ومدته، وارتباط ذلك ببنية الانسان القادر على التعامل مع محيط أكثر تعقيدًا أدى بالضرورة إلى تطور أناسي معرفي انتقل بمقدرات الانسان في المشرق العربي إلى حالة تجريد الظاهرة لضرورة معالجتها. فالاستقرار الموقعي المرتبط بما سبق أدى إلى التآلف التدريجي مع بعض الأنواع القطيعية التي كانت محط صيد متميز"الماعز، والخراف والبقريات"بحيث تم الحفاظ عليها قريبة من مواقع العيش قبل الانتقال إلى تدجينها والتحكم بتكاثرها. وهكذا حددت الآلاف الثلاثة (10,000-7000ق.م) المميزة للثورة النيوليتية في منطقة الشرق العربي، معالم هامة لظاهرة ضخمة وحيوية ونوعية. فعلى المستوى التقني طورت صناعة حجرية أساسية قوامها أدوات صغيرة ودقيقة الأبعاد جدًا، واستبدلت هذه الآخيرة بأدوات جديدة، يوحي شكلها مباشرة بمجال وظيفتها، كرؤوس السهام، وأنصال المناجل، مع أسنان وبدونها، وظهرت تقنية صقل الحجارة التي أتاحت لقاء عمل مسبق وأطول مدة مرة أخرى استغلال مواد أكثر صلابة، وبالتالي أكثر استمرارية وخدمة من الصوان المشذب التقليدي:
الفؤوس، والبليطات المعقوفة المقاطع، والمجارف المصقولة تكاثرت نحو 7500 ق.م. وكانت هذه التقنية نقطة انطلاق لأشياء جديدة كالأوعية أو الأطباق الحجرية وأدوات الزينة والأساور. وظهرت في نفس الفترة مواد مبتكرة نتيجة التكليس كالجير والجص، من ثم إعادة تمييه الحجر الكلسي أو الجبس، وبعد ظهورها في بداية الألف الثامن راج استعمالها في البناء"لياسة الجدران، وفصل الأراضي."وفي صناعة الآنية (39) . ومع بداية الألف السادس قبل الميلاد استبدلت هذه المواد بابتكار آخر أي السيراميك"الفخار"/ تربة مقولبة قبل الشيّ. وروفق ذلك بابتكار فن العمارة ابتداءً من الكوخ الصخري، فالبيت ذي الجدار الدائري، فالبيت ذي الجدار المضلع القابل للتوسع كما تحدثنا أعلاه.