فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 268

كانت تلك الأرضية الاقتصادية، نموذجًا خاصًا للرؤية التجريدية، في فصل المنظومة العقلية المتعافية في تعاملها مع حالات أكثر تعقيدًا، بحيث ينتقل التدجين من كونه فعلًا تلقائيًا تقوم به الجماعة بإدارة ما تنبته الطبيعة إلى فعلٍ قادر على ممارسة الفعل نفسه في منطقة لاتنبت تلك النباتات البرية، بحيث تنقل الحبوب من منطقة لتزرع في أخرى لم تكن مهيأة مسبقًا للنمو التلقائي"فموقع راس شمرة"أوغاريت"يقدم لنا الشواهد الأولى على الاستقرار الزراعي في منطقة لاتنبت الحبوب البرية فيها" (41) منذ الألف الثامن، وهذا يعني وجود التصوّر/ النموذج لاستنبات المحاصيل ورعايتها خارج مواقع تواجدها التلقائي، مما حدا بالجماعات البشرية في المشرق العربي إلى الطموح لاختيار مواقع معيشة أكثر تلاؤمًا مع الظروف البيئية ليس الطبيعية فقط بل والانسانية في معانيها الأرقى"فقد رأينا أن هجرة الموطن كما في حوض الفرات، في المريبط، لم تكن تعني هجر المنطقة نفسها، ففي الوقت الذي هجرت فيه المريبط نشأت في نهاية الألف السابع ثلاث قرى جديدة إلى الجنوب من الخط المطري الحالي البالغ 200 مم، وهي ابو هريرة وبقرص على الفرات والكوم في حوض تدمر" (42) ، وذلك لم يميز فقط منطقة المشرق العربي، بل امتد ليصل إلى المغرب العربي، وذلك بالتوازي والتوافق الحاصل في البنية التقنية والسوية الحضارية لكلٍ من الحضارة النطوفية"والتي تحدثنا عن علاقتها بما يوازيها في وادي النيل"والحضارة القفصية، وبما عناه ذلك من بنية مثيولوجية كانت تشكل جوهر التوصفات اللاحقة في تطور البنى والمظاهر الطقوسية برموزها المتعددة. فالطيب تيزيني يؤكد على ذلك في كتابه الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى حيث يقول:"فلقد اكتشف العلماء الآثاريون معبدًا لعله الأقدم من نوعه، وذلك في حضارة أريحا في فلسطين. أما تاريخه فيعود إلى ماقبل الألف السابع قبل الميلاد."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت