فهرس الكتاب
وإذا كان من المسلم به أن الجزيرة العربية كانت"خزانًا بشريًا"كما هو الاستعمال الشائع يدفع بموجات الهجرة إلى مختلف الجهات في حقب متطاولة من التاريخ، فإن هذه الجزيرة ذاتها كانت"تستقبل"المهاجرين إليها من الشمال ومن الجنوب، بل ومن الغرب أيضًا. فالهجرات بين مناطق ما نعرفه اليوم بالوطن العربي كانت متبادلة باستمرار ولم تكن تنبع من منبع واحد، وذلك بحسب الظروف والعوامل البيئية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية المختلفة. وهذا يعني من الناحية الأناسية التاريخية أن قاطني هذا الموقع الجغرافي هم مجموعة بشرية واحدة نشأت حتمًا في مكانٍ ما، جماعة صغيرة ثم نمت وتفرعت وكثرت. أو أنها مجموعات متناثرة كونتها نفس الشروط والظروف وتطابق المعطيات البيئية والاشراطات الأناسية بحيث تطورت بشكل متطابق ومتوازٍ من أقصى الوطن العربي شرقًا إلى أقصاه غربًا وعلى مسار عشرات الألوف من السنين بحيث أنتج وحدة أناسية وثقافية ولغوية ومعرفية واحدة/ كما أثبتنا ذلك في الفصل الأول/..."ومهما كان الأمر في المكان الذي نشأت فيه هذه الجماعة، ما بين الجزيرة العربية، وأرض الرافدين، والشمال الافريقي، وشرق أفريقيا أو وادي النيل" (19) أو أنها تطورت بشكل متطابق ومتوازٍ لتجد نفسها وفي المراحل المتأخرة من زمن ما قبل التاريخ تشكل وحدة أناسية واحدة"إلاَّ أنه من الثابت- بشكل قاطع- أن ثمة تشابهًا في المخلفات الأثرية الأولى ما بين أماكن ومواطن تبدو متباعدة مما يدل على امتزاج حضاري بدرجات متفاوتة تؤيده الكشوفات الأثرية يومًابعد يوم، فحضارة وادي النيل في تكويناتها الأولى تؤكد ارتباطًا وثيقًا بينها وبين حضارة الصحراء الليبية من جهة وحضارة الجزيرة من جهة أخرى. والآثار الفخارية للانسان الحجري القديم في فلسطين"بلاد الشام"تبرز تشابهًا واضحًا مع نفس ذلك العصر في الجبل الأخضر، وهذا يدل على نوع وثيق من التواصل الحضاري (20) ."