فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 77

لامست أصابعها ريشات جسده الناعمة فخرجت من السرير واصطدم رأسها بحافته. نظرت إلى الريشات الرقيقة وأوشكت أن تبكي. خرجت إلى الحديقة… كان الوقت عصرًا والعصافير تزقزق فوق أغصان السدرة.. نفخت الريشات الخفيفة فطارت في الهواء متأرجحة كالورق وسرعان ما أصبحت عصافير جميلة عندئذ أشرق الفرح في عينيها وتمنت لو أنها ترتدي ثوبًا مزينًا بالدانتيلا البيضاء وتطير معها.

مرت الأيام وهي تجلس كثيرًا تحت شجرة السدر فتسمع زقزقة العصافير العذبة. وخلالها أنجبت خالتها طفلةً عيناها خضراوان. لكنها أسمتْ ابنة أختها في سرها:"عاشقة العصافير".

الكوت 1975

شجرة جوز الهند

تطلعت سهير عبر الزجاج. كانت السماء تنث مطرًا ناعمًا كالعشب. توقف أمام الحديقة طفل يرتدي قميصًا له لون الرماد. في داخل الحديقة مدفع وخيمة للجنود. صاح الطفل بصوت عال متطلعًا بيأس إلى كتبه.. إنه يطلب منهم إيواءه تحت خيمتهم. ربما تحدث إليهم عن معلمه وربما حدثوه عن عملهم وعن الحرب. من المحتمل إنهم تذكروا بأن لهم أخوة صغار مثله يذهبون صباحًا إلى المدرسة.

قبالة المستشفى، على الجانب الآخر من الشارع، حديقة جميلة مضاءة بالأنوار الملونة. في الحديقة أشجار صفصاف ويوكالبتس وشوك البحر. هناك أيضًا مصاطب مطلية بدهان أبيض. تطل الحديقة على نهر واسع يتقافز فيه السمك وهو يمر عبر بوابات السدة الحديدية.

الحديقة، الآن، خالية تمامًا حيث تنبعث ريح خريفية باردة تلعب بأوراق الشجر وتحكي لها قصصًا جميلةً عن الصيف المنصرم. في هواء الحديقة النقي ضحكات وجمل عذبة وغزل دافئ لما تزل معلقةً فيه، ومنذ أن بلغ الناس ديارهم ودخلوها فرحين، أصبحتْ الضحكات والجمل والغزل طيورًا بيض تخفق أجنحتها مثل خطابات الحب وهي تركب خيول الريح. تظل هذه الطيور معلقةً حتى مساء اليوم التالي عندما يقدم الأطفال بثيابهم الزاهية كالحدائق فتصنع في أكفهم أعواد القش، عندئذٍ تعبر سماء الحديقة وتصبح نوارس تحلق فوق الأسماك.

المدفع رفع منذ فترة قريبة، والجنود ربما رحلوا الى حبيباتهم وزوجاتهم بينما طارت الخيمة وأضحتْ خطاب حب مرسل لمحبوبة تقرأ الشعر في حديقة المنزل.

في رواق المستشفى، فتاة ذات بشرة بيضاء كالثلج وشعر أسود كالليل، يدق كعب حذائها فوق البلاط بأصوات متناغمة. لمحت سهير امرأةً في الأربعين تجلس القرفصاء في غرفةٍ إلى اليمين، على وجهها وشم أخضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت