-لا، إنها تطير، تطير… لكنني أحبها.. أحبها.. وأتأملها وهي تشرب الماء من الحوض الأسمنتي في وسط المنزل.
سارا معًا في الزقاق، لاحتْ أجساد ملفعة بالسواد تحمل فوق أكتافها سلالًا من الخوص. وقبل أن يدخل الدار قال لها:
-يبدو أنك تحبين العصافير.
-نعم.
امتدت نظراتها إلى قطة صغيرة يجرها طفل حليق الرأس.
-لكن هذا العصفور ميت تمامًا فما هو نفعه؟
-أحبه.
-لكنه لا يقدر على الطيران.
-العصافير جميلة. سيلعب مع دميتي الصغيرة.
فركت عينيها ومدت ذراعها بحركة آلية، لم يكن العصفور موجودًا.. كانت الدمية ما زالتْ جالسةً فوق البساط الصغير الملون وقد أسبلت أجفانها وفوق شفتيها ارتسمتْ ابتسامة عذبة. انتابها حزن مفاجئ فنهضت الطفلة وقالت للدمية:
-أين العصفور؟ لقد تركته في حجرك ليلًا.
كانت الطفلة الدمية صامتة. صاحت بحدة:
-لماذا لا تجيبين؟ أين العصفور أيتها الملعونة؟ لمن أعطيتيه؟
هزت الطفلة الدمية من كتفيها فتأرجحت واضطجعت على ظهرها فيما ظلت ساقاها معلقتين في الهواء.
-هاه، تتظاهرين بالنوم؟ قولي لي من أخذه منك؟ قلتِ لي ليلًا بأنك تحبين العصفور وسوف تلعبين معه غدًا في الصباح.
مدت أصابعها تحت ثوب الدمية وصرختْ من جديد:
-هل أخفيتيه تحت ثيابك؟ أوه غير موجود. حدثيني، هل أخذه القط؟
كانت الدمية مازالت صامتة بينما كانت هي حانقة غاضبة.
جلستْ فوق الأريكة قرب خالتها.
-هل دخل القط غرفتي ليلًا؟
-لا أعلم.
-بالأمس كان العصفور في غرفتي واليوم عندما أفقتُ من النوم لم يكن موجودًا.
قالت الخالة:
-يا بنت! العصفور طار.. هرب من النافذة.
قالت:
-لكنه لا يستطيع الطيران.
-كيف؟
-كان ميتًا، عثرت عليه قرب النهر.
-وهل حملتيه إلى المنزل؟
-نعم، في الليل كان في حضن الدمية. كان يزقزق بصوت شجي فيما قامت الدمية وجعلتْ ترقص بفرح..
-يا بنت! العصافير لا تزقزق ليلًا.. إنه ميت.. ميت تمامًا.
-لكنني والله سمعته.. والدمية نفسها كانت ترقص بثوبها الوردي.
-صاحت الخالة بحنق:
-كفى.. كفى!
مدت رأسها تحت سرير النوم، وأخذت تتلمس البلاط. رائحة التراب بدأت تنفذ إلى أنفها وأوشكت أن تختنق.
-آه.. لماذا تحب أن تمازحني.. لماذا تختفي يا عزيزي؟!