فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 77

-يخيل لي، غالبًا، أني رأيتك وأحببتك من زمن بعيد، عندما كنتُ أنام تحت شجرة التوت القريبة من دارنا.. كان التوت الأحمر، الحلو المذاق، يسقط على رأسي وفي حضني عندما تهب الريح.. تخيلي يا نجلاء، غلام صغير يرتدي دشداشة مقلمة ينام تحت شجرة توت ويحلم.. هذا الغلام الصغير جالس الآن أمامك يتفسلف.

-هل تتمنى أن تتخرج وتعود إلى قريتك؟

-أجل. أريد أن أصطحبك معي. سأقول لأترابي: هذه هي الفتاة التي كنتُ أراها في أحلامي. كانت تجلس بجانبي في قطار خالٍ يمضي بعيدًا. كنتُ أرى قطارات كثيرة لا حصر لها، وكانت رحلاتها لا نهائية.

-هل سنعيش في الريف؟ أغلب الأطباء يكرهون الحياة في المناطق النائية.

-لماذا أكرهه أنا؟ أنا إنسان ريفي. لماذا يسمونها بالمناطق النائية؟ ألأنها بعيدة عن العاصمة؟ وهل العواصم هي المدن الوحيدة في العالم التي تنبض بالحياة؟ أم أنه لا توجد في الريف قاعات موسيقى ومتاحف ودور سينما؟ لستُ بحاجة إلى هذه كلها. الطبيعة هي المتحف والكاليري والسينما.

-يقول أركادي فيدلر: الفراشات كالأطفال، إنها لا تملك أسلحة تدافع بها عن نفسها.

-ما أن يمسك المرء بالفراشة بين أصابعه حتى تتهشم أجنحتها وتفقد قدرتها على الطيران.

-الأطفال أيضًا، ليس في وسعهم أن يفعلوا شيئًا إذا أغارت عليهم الطائرات الهمجية وراحت تقذفهم بالقنابل، الأطفال لا يملكون أسلحة.

-الحروب تهشم فينا كل المرايا الجميلة.

هيمن صمت قصير ثم قالت نجلاء:

-قبل قليل قلتَ بأنك كنتَ تحلم بقطار خال يأخذك بعيدًا.. أتخيلك الآن جالسًا على حجر صغير، تلوح للقطار الذي مرق مسرعًا وتلاشى خلف البساتين.. أتخيلك تنظر إلى قضبان السكة الممتدة إلى البعيد تسطع تحت وهج الشمس.

-عندما كان إبريق الشاي يغلي على كومة الحطب، كنتُ أخاطب أمي قائلًا: هو ذا القطار بدأ يصفر وينفث بخاره.

نهض خالد وجلب كوبين من الشاي.. لاحت له نجلاء أكثر عذوبةً من المعتاد.. إنحنت نجلاء والتقطت قرطها الأخضر الذي سقط على الأرض.

-كن صريحًا، هل أحببتني بقلبك وعقلك؟

وكالعادة تملص خالد من الإجابة لكنه قال:

-سعيد هو الإنسان الذي يكتوي بنار الحب الزرقاء

-ولماذا النار الزرقاء.

-الأزرق رمز للصفاء والعذوبة والشفافية.. والأحلام.. ألم تلاحظي يا نجلاء أن أغلب جدران المستشفيات مطلية بالأزرق.

-أظن أنه يدخل الهدوء والتفاؤل إلى أفئدة المرضى.. اسمع يا خالد، يخيل لي أنك تفتخر بريفيتك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت