فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 77

-بعد أفول الشمس أو ربما بعد التاسعة مساءً.. أخرج إلى شرفتي المطلة على الكورنيش وأفكر أنني بعد سنوات طويلة سأظل أتذكر هذا المنظر الليلي الساحر والأضواء المتوهجة في المنتزه القريب من منزلنا. قل لي، يا خالد، هل تجلس في شرفة حجرتك وتتطلع إلى مدينة الطب، وتقول مع نفسك إن كثيرًا من الطلبة قد جلسوا في نفس مكانك هذا هم الآن أطباء مشهورون.

-عندما يكون الطقس ملائمًا أجلس في الشرفة المطلة على ساحة (الجمهورية) وأنظر إلى تلك البناية العالية المطلة على النهر. أحلم أنني أنتقل من سرير إلى آخر في إحدى ردهاتها.. غالبًا، أغفو على صوت الموسيقى والكتاب لمايزل في يدي.

-هل تغفو وأنت جالس في مقعدك؟

سألته نجلاء وهي تتلفت حواليها، إذ جلستْ طالبتان خلفهما وراحتا تتحدثان بصوت عال.

-نعم نعم. أسند رأسي على حافة النافذة وأمدد قدميّ على حاجز الشرفة. شرعت السماء تنث مطرًا ناعمًا، أما خالد ونجلاء فلا زالا جالسين في نادي الكلية الطبية يرقبان مشهد العناق الأبدي بين السماء والأرض.

قالت نجلاء بفرح غامر:

-أتمنى أن أمد يدي لأستقبل حبات المطر وكأنني فقير يستعطي.

-هناك، في الريف، يمكنك أن تمدي كفيك لتستعطي حبات المطر.. وأن تفرحي من أعماقك لأنك تعيشين وسط الطبيعة، التي نستمد منها قوة الحياة الخلاقة.

إرتسمتْ ملامح الجد على وجه نجلاء وهي تقول:

-أخشى أن نفقد هذه الروح السامية.. أتمنى أن لا تؤثر فينا دوامة الحياة الرهيبة.

رد خالد:

-العقول العظيمة لا تخشى التأثير.. النار الزرقاء ستظل تلتهب.. قد يلوح التعب على وجهينا.. لكن الحب لن يغيب عن قلبينا النابضين..

غادرا النادي، قال خالد:

-أسمع صفير قطار، وقعقعة عرباته على السكة.

ردت نجلاء:

-إنك تحلم يا عزيزي. لا أظن أن بالإمكان سماع قطار البضائع من هنا.. إنه يمر بجسر (الصرافية) ..

-حبيبتي إني أسمعه بجلاء تام.. وأتخيله يمر قريبًا من حقل والدي منطلقًا إلى جهة بعيدة.. بعيدة جدًا.. وهناك في إحدى عرباته يجلس اثنان: رجل وامرأة ينظران بعيدًا.. تلوح في الأفق نار زرقاء.. القطار يمضي مسرعًا. لكن النار الزرقاء ما زالت بعيدة.

الكوت 1986

همسات جرح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت