فهرس الكتاب
سمع رنين الجرس. كان يجلس وحيدًا إلى طاولته الخشبية. فوق الطاولة يستقر مصباح يرسل ضوءًا ساطعًا، أقلام جاف ورصاص، أوراق مسودات وأوراق بيض. قبل رنين الجرس بلحظات قلائل كان قد وضع المحرار في فمه. عرف منذ سنين عدة، أن أفضل لحظات الكتابة هي لحظات القلق والتوتر والخوف.
كانت حرارته ترتفع تدريجيًا، كلما اقترب موعد الكتابة، وكأنه سجين ينتظر لحظة الحرية. بعد العاشرة مساءً، يجلس إلى طاولته، يطلق العنان لقلمه، ويدع مخيلته تسبح في عوالم مدهشة وغريبة جدًا.
بعد أن يتناول وجبة عشائه الخفيفة، التي يشتريها من مطعم قريب من عمارته السكنية، يجلس إلى الطاولة. يهيئ أوراقه وأقلامه ومسوّداته، يضع علبة سكائره المفضلة ومنفضته قريبًا منه، يهيء كأسًا أنيقةً مترعةً بعصير الفاكهة في الناحية اليسرى من الطاولة. وقبل أن يشرع بالكتابة، يضع المحرار تحت لسانه.. مع الفقرة الأولى يخرج المحرار من فمه ويضعه جانبًا.
لملم أوراقه المكدسة على الطاولة، ورفع ورقةً بيضاء سقطت على الأرض، حين سمع رنين جرس الشقة. كانت ليلةً من ليالي الصيف المعتدلة، ومن نافذة شقته المشرعة يتسلل نسيم بارد منعش كانت تلك ليلة نادرة، فقد اعتاد الناس أن يعانوا من حرارة الصيف القاتلة.
تقع شقته المؤلفة من غرفتين في خارج الزيتون، لا يعرف لم سميّ بهذا الاسم، فشارعهم بأكمله وشققه السكنية بأسرها لا تحتوي على شجيرة زيتون واحدة. وهو لم يذقْ طعم الزيتون منذ أن انقطع عن احتساء الشراب بعد افتراقه عن شلة"القسم الداخلي"النزقة، حيث جرتْ العادة أن يقدم لهم نادل الحانة صحون الزيتون المنقوع بالزيت مع صحون السلطة وقناني البيرة المثلجة.
من ذا الذي يقرع الجرس؟ من ذا الذي سيحرمه من ألم الكتابة وعذابها؟ من ذا الذي يشد حصانه ويمنعه من الجري في قفار اللوعة ومروج اللذة؟ من ذا الذي سيحرمه من قلق وأوجاع هذه الليلة، المعتدلة، النادرة، من ليالي صيف بغداد؟
سار ببطء إلى باب الشقة حرك المفتاح في الباب. ثم أدار الأكرة وحين فتح باب الشقة، تنشق في الحال عطرًا لذيذًا. نظرتْ إليه باستغراب. ما هذا الذي يضعه في فمه. إنه ليس سيكارة بالتأكيد.
عندما نهض من الكرسي الوثير بتؤدة ومضى عبر الرواق المفروش بالسجاد ليفتح باب الشقة، لم يكن ليعرف إنه ما زال يحتفظ بالمحرار في فمه.
نظرتْ في عينيه مليًا، بتساؤل واضح، وريبة، ما معنى أن يضع هذا الرجل محرارًا في فمه. هل هو مصاب بالحمى؟