فهرس الكتاب
انتبه إلى أنه يقبض على المحرار بين أسنانه. رفع يده اليمنى وأخرجه من فمه.
تصنعتْ الأدب واللياقة نوعًا وهي تقول هامسةً بغنج:"هل أدخل؟"لم يقلْ كلمة. أسندتْ ذراعها النحيلة السمراء إلى إطار الباب الخشبي. كانت ترتدي قميصًا خفيفًا، وردي اللون، من الحرير الصناعي، بكمين قصيرين، يشق عن نهدين مغامرين. شاهد أزرار قميصها الجميلة، الشبيهة بفصوص أحجار كريمة. من فتحة القميص العليا، المثلثة، رأى جلدها الناعم، الأسمر كالشوكولاته.
إتكأ بكتفه اليمنى على الباب المفتوح. المحرار في كفه اليمنى.
قال لها دون أن يجعل تعبيرًا معينًا يتسلل إلى ملامح وجهه:"ما الخطب؟ ما سر زيارتك المفاجئة هذه؟ أنا لا أكاد أصدق"
كل يوم، تجلس على كرسيها الهزاز، في الشرفة، تنظر إلى الأسفل. في نفس الوقت، تقريبًا، يعود من عمله، يركن سيارته في مرأب قريب من المبنى، يترجل من سيارته، حاملًا حقيبته السوداء.. يعبر الشارع مسرعًا، تتطاير خصلات ناصيته التي خالطها الشيب. يرفع يده إلى رأسه. يلتفت يمينًا وشمالًا ثم حين يصل الرصيف، الذي تتوسطه"بلوكات"ثمانية الشكل مزروعة بشجيرات خضر، يختفي عن الأنظار.
تنتظر عودته من العمل، كل يوم، تقريبًا وحين يصل مدخل المبنى. تحسب أمل الدقائق التي يستغرقها للوصول إلى شقته في الطابق الرابع. وصل الآن، إلى المصعد الكهربائي. ضغط على الزر -رفع رأسه إلى لوحة الأرقام التي تشير إلى الطابق الذي بلغة المصعد. ينتظر قليلًا. يلقي نظراتٍ عابرةً على عدد من ساكني المبنى ممن ينتظرون المصعد. قد يتأمل فتاة جميلة أو سيدة جذابة المظهر. يضحك مع أحد معارفه. يجيب باقتضاب على سؤال عابر.
يصل المصعد إلى الطابق الرابع- يفتح الباب.. يتمشى قليلًا.. ينعطف يسارًا ثم يضع المفتاح في باب شقته ويدخل.
تترك كرسيها الهزاز يتأرجح في الشرفة. ترتمي على سريرها. الملاءة البيضاء مجعدة على الدوام. هي تكره ملاءات الأسرة. وتكره ستائر الغرف الداكنة- صديقتها هند تزوجتْ تريح أمل رأسها على الوسادة. ساعات العصر ثقيلة الوطأ. هي لا تنام القيلولة. هدوء العمارة والشارع وربما المدينة بأكملها يزيد من وحشتها. تنظر عبر نافذة غرفتها المطلة على الشارع الرئيس.. تتنهد بعمق ويلوح الدمع في عينيها.