فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 77

رمشتْ عيناها البنيتان، انتبه إلى حاجبيها الجميلين ورقص شعرها الأسود الفاحم وهي تقول بإغراء:"ولم لا تصدق؟"ثم صمتت لحظةً وقالت بنبرة حزينة ألفها من قبل:"هل هذا محظور؟"وقبل أن تسمع جوابه هتفت قائلةً:"أنا بحاجة إلى قرص مُسكن"حين قالت ذلك أنزلت ذراعها من إطار الباب فرأى أصابعها الطويلة النحيلة.

أجابها بدهشة:"قرص مُسكّن؟ هل صعدتِ كل هذه السلالم ومشيت كل هذه المنبسطات لتطلبي مني في هذه الساعة من الليل قرصًا مُسكنًا هل هذا معقول يا آنسة أمل؟"

ضحكت ضحكةً صافيةً ثم قالتْ:"معقول أو لا معقول. هذا لا يعني شيئًا هل تدعني أدخل. أنا بحاجة للحديث معك".

تراجع خطوتين للوراء ليسمح لها بالدخول دخلتْ بتؤدة، بحذر. سارتْ على أطراف أصابعها. انتبه إليها، كانت ترتدي سروالًا من (الجينز) وفروتي حذاء قماشيتين ملونتين. شرعت تنقل بصرها، بفضول وحيدة، في أنحاء غرفته، مكتبة تعج بالكتب، بعضها موضوعة بترتيب ونظام، وبعضها الآخر مكدّس باضطراب قرب المكتبة طاولة صغيرة عليها مزهرية كريستال. وعلى الجدار المجاور للمكتبة ثمة عدد من اللوحات الفنية لرسامين مثل بيكاسو ومايتس وفراغونار.

سألته فجأةً:"هل لديك ضيوف؟ أنا أعرف أنك لا تستقبل أحدًا في شقتك. أجريتُ تحريات كاملة عنك. أنت من مواليد عام 1955. محافظة البصرة. أعزب الولد الوحيد في عائلة لها ست فتيات".

قال لها مازحًا:"إجلسي أولًا. وأخبريني من أينَ جمعتِ عني كل هذه المعلومات؟"

نظرتْ عبر النافذة المفتوحة، إلى العتمة في الخارج، رأت كرات مصابيح الشوارع المتألقة في الأسفل. تنشقت النسيم البارد، أرسلتْ آهةً، رفعت شعرها بأصابع كفها اليمنى.

قالت:"يا له من منظر ساحر.. بغداد جميلة في الليل، كتاب مفتوح. نسيم بارد وزائرة فضولية".

وضع يده على كتفها. كانت ما تزال تنظر إلى البعيد. وترفع خصلات شعرها المتدلية على عنقها من الخلف. دعاها للجلوس.

جلست على كنبةٍ قريبة من طاولة الكتابة.

شبكت أصابع كفيها وركزتْ بصرها في وجهه وهي تقول:

"قبل أن أجيب على سؤالك.. قل لي، بالله عليك، كيف تطيق هذه الوحدة؟"

نهض جلب علبة السكائر وجلس على كرسي وثير قبالة الكنبة التي جلستْ عليها زائرته الفضولية.

امتدتْ يده إلى علبة السكائر وأشعل سيكارةً وراح يدخن. وبعد أن أخذ نفسًا عميقًا قال لها:"لا أدري أنا أفضل العيش ليلًا مع الكتب.. أو بالأحرى مع الأفكار والأخيلة، فهي تعوضني عن البشر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت