فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 77

مضتْ تسحب قدميها بتثاقل، سمعتْ صهيل الفرس يأتيها عبر المسافات. وقبل أن تلج غرفتها أرهفتْ السمع لدقات خافتة على السلم. وعندما انبثق جسد طفلة صغيرة شدتْ ظفيرتيها بشريطين أحمرين، عادت إلى الوراء خطوةً واحدة وبدتْ جامدةً مثل تمثال إغريقي.

قالت الطفلة وهي تدق الآجرة بمقدمة حذائها الأبيض:

-أرسلتني والدتي. البسي ثوبك الوردي وانزلي إلى الباحة.

اختلجتْ شفتها السفلى وخفق قلبها كالجناح فسألتها بدهشة:

-لماذا؟

-ثمة نساء غريبات في الأسفل يردن رؤيتك.

الكوت 1975

الأبيض والأسود

كان ذلك في عصر يوم جميل.

كانت الساعة تقارب الرابعة.

حلّق الطائر الأخضر ذو المنقار الأحمر فوق بيوتٍ من الطين وأكواخ من القصدير. في الختام شاهد حديقةً واسعةً تحيطها منازل شاهقة وعمارات ضخمة وفنادق راقية ذات أثاث فاخر ومسابح نظيفة يقطنها التجار الأجانب.

دخل الطائر الحديقة الجميلة، فألفى البستاني حزينًا، مطأطئ الرأس، مجللًا بالكآبة. ألقى عليه السلام فلم يردْ، وحين حياه ثانيةً رد التحية دون أن يرفع عينيه عن الأرض المكسوة بالخضرة.

قال الطائر الأخضر:"لم أنتَ حزين؟ حواليك الزهور والطيور والأطفال الحلوين. عليك أن تحمد الله، فأنتَ تعمل في هذا الحي الراقي، حيث العمارات السامقة والفنادق الكبيرة والتجار الأجانب الأنيقون النبلاء."

رد البستاني:"إني أسكن هناك، في الضاحية الجنوبية، في بيت من الطين. أرجو أن تكف عن التفكير في هؤلاء القوم الأنيقين ببدلاتهم الإنكليزية، إذ إنهم لا ينثرون دولاراتهم في الحدائق كما يفعل الناس حين ينثرون الدراهم على رأس العروس، إنك تسألني لم أنا مدلهم الوجه، لكنني أقول لك إنني أعاني من آلام المفاصل. فقد قضيتُ عشرين عامًا أعمل في الأرض حافي القدمين والرطوبة تتسلل إلى عظامي النحيفة. وها أنا ذا صفر اليدين لا أملك من الدنيا شروى نقير."

تجول الطائر في الجنينة، فشاهد نافورة ماء تتدفق منها المياه إلى الأعلى ثم تسقط في الحوض الذي تطفو فيه زوارق من ورق، أخيرًا صادف ثلاث زهرات وحياهن ببسمةٍ صغيرة. ردتْ الزهرتان البيضاء والسوداء التحية. أما الصفراء فقد ظلتْ صامتة واجمة.

سأل الطائر بدهشة:"ماذا حل بأختكما الزهرة الصفراء؟"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت