فأجابت الزهرة البيضاء بصوت هادئ:"هي الآن شاحبة ومريضة. في الأصل كانت زهرةً حمراء كشقائق النعمان إلا أن المغني الذي جرح في السجن الكبير أراد أن يواصل أغنيته فهرعت إليه ومدته بالدماء الحمراء. وفي الحال عزف على قيثارته فتصاعدتْ الأنغام وراح ينشد مقطعًا جديدًا من أغنيته ثار السجناء. بيد أن المغني ما لبث أن سقط صريعًا برصاصاتهم الغادرة التي طرزتْ صدره. أما هي فقد أمستْ شاحبةً، ممتقعة الوجه، عابسة، ومنذ ذلك الحين أصبحت صفراء، هي، طبعًا، لا تتحدث إلا لمامًا"
تطلعتْ الزهرة البيضاء إلى الزهرة الصفراء، وتنهدتْ بعمق.
قال الطائر ذو المنقار الأحمر مواسيًا:"مسكينة."ونظر إليها بعينين يطل منهما الحنان والرأفة، التفت إلى الزهرة البيضاء قائلًا:"ولماذا أصبحتِ زهرةً بيضاء؟"
تأملت الزهرة البيضاء نفسها وكأنها عروس شابة ترتدي ثوب الزفاف الأبيض. قالت:"ولدتُ في مدينة أناسها طيبون شرفاء. في تلك السنة أمم الشعب النحاس. وزعتْ الأراضي على الفلاحين، صدرتْ الصحف. وأُقيمت مهرجانات للفرح والغناء والموسيقى والتسلية البريئة. وجاءت أطيار بيض فملأت المدينة ورفرفت فوق رؤوس الناس وحطت على أبنية المدارس والنقابات العمالية."
وتأملت الزهرة السوداء نفسها وكأنها أرملة بائسة ترتدي ثوب الحداد الأسود. لمعت الدموع في عينيها وهي تقول:"أما أنا فقد ولدتُ في مدينةٍ ترتكب فيها الأفعال السوداء. وتنتشر فيها الأمراض ويشيع الفساد. كان الأطفال يرتجفون من البرد الشديد وتصاب النسوة بالسفلس، ويستشهد النقابيون في الشوارع."
يترك الشيوخ والعجائز في أكواخ وضيعةٍ حقيرة ليموتوا في صمت، بسبب الجوع أو السل أو الحزن العميق""
خيم صمت ثقيل، بعد برهة سألت الزهرتان البيضاء والسوداء في وقت واحد:"ولماذا صرتَ طائرًا أخضر؟"
أجاب الطائر:"ولدتُ في يوم صيفي. كسرتُ القشرة بمنقاري وخرجتُ إلى الدنيا. كانت السماء تنثُ مطرًا أخضر فنبت لي ريش أخضر زاه. حين تعلمتُ الطيران صرتُ أرى العشاق الحلوين يحفرون أسماءهم على الأشجار ويرسمون أفئدةً تخترقها السهام. عندما كبرتُ أنبأوني بأن مدينتنا كانت تشتهر بالحب الوفي والعواطف النبيلة السامية".
وفي تلك اللحظة لوت الزهرة الصفراء عنقها، اندهش الطائر الأخضر والتفت مذعورًا إلى الزهرتين البيضاء والسوداء.