فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 77

بعد قليل قال بصوت هامس: ماذا حل بها؟ هل أصابها مكروه؟"فانتهرته الزهرة البيضاء وقالت بصوت متهدج:"صه، إنها تحتظر""

ران صمت حزين وظل الجميع واجمين، فاضت الدموع في عينيّ الطائر الأخضر وفي نفسه قال:"حقًا، هناك من يموت في صمت وهدوء، دون أن يعرف بهم أحد، ودون أن تتناقل أخبارهم، وكالات الأنباء".

بعد برهةٍ ماتت الزهرة الصفراء. دفنوها في طين الجنينة، كان البستاني مغتمًا مطعونًا من الداخل، يسكب العبرات.

وفي النهاية حلق الطائر الأخضر ذو المنقار الأحمر مودعًا البستاني وصديقتيه الزهرتين وصفق بجناحيه تحت سماء زرقاء كوبالتية.

ظلت الزهرتان السوداء والبيضاء وحيدتين. وظل العالم مشطورًا إلى نصفين أبيض وأسود. أبيض منّور بهيج وأسود قاتم حزين.

الكوت 1978

الثوب

غلبه النعاس، وود للحظة أن يتهالك فوق سريره الخشبي ويغمض عينيه المتعبتين. أبعد فكرة النوم عن ذهنه وحمل أربع كرات مفلطحة ووضعها فوق الأرضية، دوي صراخ الأطفال والصبيان ما يزال يرن في جمجمته الصغيرة، مسح جفني عينيه بسبابته وانداحت خصلة شعر فاحمة أمام عينيه فسحبها إلى الصدغ، نظر إلى الساعة اليدوية المعلقة ورأى عقاربها الثلاثة. لا يزال يذكر وجه أمه عندما كانت خيوط قد حيكت لتوها. قالت له:

-إذا لم تذهب الآن سيجلبون غيرك.

-ما زلتُ بحاجة إلى النوم، إني متعب.

وعندما خرج كان والده قد ارتدى بدلته الزرقاء وجلس يتناول الجبن والخبز. في العام الماضي كان يقف في مستطيل الباب ويودعه. أبتاه، اشتر لي قماشًا لدشداشة صيفية، أنت تعرف أنني بحاجة إليها.. بابا، أنت تشتغل في معمل النسيج ومع ذلك فأنت لا تشتري لي قماشًا تصنعه أنت بيدك.. بابا ألا يعطونكم قماشًا ويقولون هذا لأولادكم؟

أربعة صبيان ورجل يقفون خلف المنضدة المغطاة بايزار ملون، يوميًا تأتي الوجوه نفسها وتقف قليلًا ثم ترحل، هذه الصبية ذات العينين الواسعتين كم هي جميلة!! تأتي مساء كل يوم.. تحدق في عينيه وتبتسم.. ما أجمل ثوبها الأخضر. يحدق في كعبي قدميها ويرى الشقوق العريضة.. يدرك معنى الشقوق ومعنى الابتسامة. يود لو تبقى طويلًا كي ينسى تعبه. ولكن دورها سيأتي فتأخذ حصتها وتذهب. قبل أيام قالت له باسمةً:

-أنتَ تتعب كثيرًا والخيوط الحمراء تلوح واضحةً في عينيك.

-لم أنمْ ظهرًا. أخشى أن يمضي الوقت وأنا نائم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت