هؤلاء الصبيان سيمضون بعد قليل. يتناولون العشاء ويغرسون أسنانهم في قطع الرقي الهلالية. يحسون بحلاوة الثمر الأحمر وتدفع ألسنتهم حبات الرقي السود ليقلوها بعدئذ ويأكلونها في السينما، طيلة حياته لم يذهب إلى السينما.
المعلم يتكلم عن بعض الأشياء قائلًا لهم: لا بد أنكم رأيتم في السينما. أغلبية الرؤوس تهتز بينما يظل رأسه ساكنًا وعيناه متحجرتين. هؤلاء الصبيان يقضون أيامهم في اللعب. إنهم ينامون كثيرًا ويلعبون كثيرًا. وهذه الصبية لا تبدو عليها علامات الراحة، هذه الصبية تتعب كثيرًا مثله، آه، ما أجمل عينيها الواسعتين.
مد الرجل الذي يحمل الملقط ذراعه في داخل التنور وأداره عدة دورات وأخيرًا أخرجه، أصابع كفيه محترقة ومتورمة. انتقل إلى التنور الآخر حيث النار ترسل لهيبها خارج الفوهتين لتصطدم بالوجوه السمر وبالتالي يصبح المكان ساخنًا كالجمر.
ضرب الصبي المنضدة بالكرات عندئذ التفت بالطحين وبعد قليل أحس بمرونتها في كفيه ووضع الكرات في نفس المكان. نظر إلى ساعد الرجل الذي يحمل الوسادة ولاحظ عروقها الناتئة فقال في سره:"كم يلزمني من العمل حتى يصبح ساعدي ضخمًا مثل ساعده وتظهر عروق يدي كالحبال؟!"
أغلق جفنيه مرتين متتاليتين وأحس بثقلهما. وود مرةً أخرى أن يرتقي السلم الحجري ويتهالك فوق السرير، يرتقي السلم ويعب جرعتين من الماء من إناء الفخار فيسمع فجأةً صوت أخته الصغيرة في المهد. تتحرك خطواته نحوها ويقبلها في الوجنتين والجبهة. يقول لها: كم أحبك يا سوسو!! كم أحب أن أقضي النهار معك! ربما أنت ضجرةٌ مني لأنك لا تجدين أحدًا تضحكين في وجهه، كم أحبك يا سوسو لكنه العمل، العمل يا سوسو حبيبتي، يضع زجاجة الحليب بقربها. يربت على صدرها بلطف. نامي. نامي عزيزتي. فغدًا عندي عمل كثير.
أشار صبي بأربع أصابع للرجل ذي الملقط الكبير. وظل الرجل الذي يحمل الرقية يحدق في شابتين مرتاعًا وهو لا يني يهز ذراعه ويغمغم بصوت خافت. نقل الرقية إلى الذراع الأخرى وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، فيما ظل الصبي يتنقل بين المنضدة والجسدين المتحركين.
وفجأةً سقطت من يده كرة العجين وانفرشت فوق الأرض، حدق بحزن إلى الكرة وأحنى جسده وظلت عيناه ترقب الصبية. اقتنصت أصابعه الكتلة البيضاء ورماها في برميل في الركن. وعندما عاد قال أحدهم وهو يزيل العجين عن كتفه:
-يبدو عليك التعب، تستطيع أن تذهب.
-لا، بقي على انتهاء العمل نصف ساعة.