في داخله كان يود أن يذهب ويحمل في يده الدراهم الأربعة ولكن الرجل الذي يرتدي البيجاما سيتعب كثيرًا في المدة المتبقية وربما يراوده الضجر. شعر برغبةٍ جارفة في أن يبلل جسده بالماء. يغرف الماء من الحوض الصخري ويلقي بالماء على جسده ليمحو آثار التعب ويشعر بالانتعاش. يستلقي في السطح ويحدق في النجوم والقمر المضيء. حاول مرةً أن يحسب عددها فأخطأ وحاول مرةً ثانية ففشل أيضًا وأخيرًا قرر أن عد النجوم بشكل صحيح شيء محال.
سيارات الفورد والايكاروس تقف قبالته، ها هم الناس يترجلون بعد أن أمضوا بعض الوقت يتجولون في المدينة ويتأملون تمثال الصياد قبالة السدة.
قال له أصدقاؤه: نحن لا نراك. أين تختفي؟ لماذا لا تأتي معنا؟ سترقص الغجريات هذا اليوم. نحن لم نرَ في حياتنا الراقصات الغجريات. تعال معنا، من فضلك.
لماذا لا تأتي؟ سنصنع طائرةً ورقيةً ونلصق عليها صورةً جميلة ونطلقها في الفضاء. لماذا لا تأتي؟ سنصنع لك طائرةً من هذا النوع.
غادر الصبيان المكان ومن ثم الرجل وبعدها غادرت الصبية ذات الثوب الجميل وهي تشيعه بنظرات ملؤها الحنان. وظل الصبي الواقف يشير بأصابعه الأربعة.
وضع الرجل الأسمر الغطاء على فوهة التنور ورمق الصبي الواقف خلف المنضدة بنظرة عابرة. نظر الرجل إلى أصابع كفيه المحترقة وأدرك قساوة العمل اليومي.
رمى الرجل الأسمر رغيف الخبز فتلقفته أصابع الصبي وشعر بحرارته فسحب كفه وصفّر، ها هو آخر إنسان يرحل وسينقطع الأزيز في رأسه حتى صباح الغد، ليعاوده من جديد، رأى الصبي يضع أرغفة الخبز في حضنه وبانت ساقاه السمراوان وأخيرًا غابتا في العتمة. هؤلاء الصبيان ما أجمل حياتهم!!
يقضون أيامهم في اللعب.. يصعدون فوق السطوح حاملين الطائرات الملونة. يشدون بها البالونات المملوءة بالغاز. يربطون طائراتهم.. وفي الليل يظلون يحدقون فيها تحت ضوء القمر حتى يغفون.
شعر الصبي بألم في رأسه. وأغمض عينيه عدة لحظات. كانت النار تبدأ بالخفوت والرجال الثلاثة كفوا عن العمل وبدأوا يغتسلون، نظروا إليه وهو يسند ظهره إلى المنضدة ورأسه يتدحرج إلى الوراء. مسح أحدهم وجه الصبي بالماء وأشار إليه بموعد انتهاء العمل. فتح عينيه المحمرتين وأحس برغبةٍ جارفة في إغماضهما ثانيةً. تناول النقود وهمّ بالخروج.
-لن أحضر غدًا.
-حسنًا