فهرس الكتاب
أجابها:"هذه المزهرية هدية من طالبة لبنانية درستْ معي في الكلية قدمتها لي، قبيل تخرجنا، مع رسالة مفعمةٍ بالمشاعر الجياشة".
راحتْ تتأمله بريبة وحنق ثم قالت:"أكانتْ مغرمةً بك؟"
"لا أدري. في الشباب تكون مشاعرنا قوية لكنها سرعان ما تهجع وتنام أو ربما تموت".
شرد ذهنها عنه
ويحك، دكتور، ما هذا الذي تقوله؟ كيف يمكن أن تهجع المشاعر القوية وكيف تموت.. مالكَ تنظر إليّ هكذا؟ أأنت حجر أصم؟ أي صنف من البشر أنتم معشر الأطباء؟ لم لا تسمعون دقات قلوبنا المفجوعة. لم لا تسمعون نبضات قلوبنا العاشقة. كلكم دجالون كلكم لا تبالون بشيء على الإطلاق. نتحول نحن بني آدم إلى أرقام وخطوط بيانية وصور بالسونار أتحداكم إن صنعتم جهاز سونار يصوّر أوجاعنا نحن المعذبون. يصوّر آلامنا نحن النساء الوحيدات يصور هيامنا نحن العشاق المتيمين. كل يوم أنتظر عودتك من المستشفى، أتطلع من شرفة شقتي، أرقبك وأنت تترجل من سيارتك، تحمل حقيبتك السوداء، أما أنت فتحدثني الآن عن المشاعر القوية التي تهجع وتموت.
جرعتْ نصف كوبها. قالت وهي ما تزال تضع المزهرية في حضنها:"المزهرية خالية من الأزهار. هل أهدتها لك صديقتك بدون أزهار؟"
قام من مكانه.. مشى إلى النافذة وراح ينظر إلى الأفق البعيد وكأنه يستعيد الذكريات. أجابها:"لا أدري، يا عزيزتي.. فقد مضى على ذلك ما يزيد على خمسة عشر عامًا"
جلس ثانيةً على الكرسي الوثير قبالة زائرته الشابة. عرفها منذ سنتين كانت تظهر في إعلانات التلفاز.. فتاة إعلان جميلة الملامح. مكتنزة الشفتين في الأستوديو يضعون المساحيق فوق بشرتها، يصبغون شفتيها بالأحمر..
يسلطون عليها الأضواء الساطعة.. تظهر دومًا مثل أميرة جميلة سعيدة الحظ لكنها في الواقع كانت تعاني من نوبات كآبة أدخلها ردهته في الطابق الخامس مرتين. كانت تأتي إلى غرفته. تجلس على كرسي قريب، وتحكي له عن حياتها.. هي تنحدر من عائلة ثرية جدًا تقيم في قصر واسع. ذنبها الوحيد أنها أحبت أحبت المغامرة.. عملت فتاة إعلان.. ربما من أجل الشهرة.. حب الشهرة غريزة أيضًا، أليس كذلك؟ ما ذنبها أن تعاني كل هذه الوحدة واليأس والمرارة. هكذا قالت له. وأسندتْ رأسها على مكتبه.