فهرس الكتاب
هي فتاة إعلان شهيرة، تمتلك سيارة حديثة وشقة في الطابق الأول في شارع الزيتون. وما هو إلا طبيبها المعالج، وجارها الساكن في الطابق الرابع.. هي تستلقي عاريةً على بلاط الشقة كي تحلم بالسعادة وهو يعدو بجواده الأبيض الجريح في قفار الألم وصحارى الظمأ.
قامتْ وجعلت تتأمل لوحة"الأرجوحة"لفراغونار أطالتْ التحديق فيها ومررتْ سبابتها الرشيقة على ساق الفتاة الجالسة في الأرجوحة المرتفعة في الهواء، خلب لبها فستان الفتاة المطرز الحواشي.. الأرجوحة في غابة خضراء، ترتفع وتهبط، الكل سعداء، يضحكون ضحكات صافية.
وضعتْ راحتها على نهدها الأيسر، وتنهدت تنهيدة عميقة. عادت إلى الكنبة حيث تركت مزهرية الكريستال.. تبدلت ملامح وجهها تمامًا. وفجأةً نكستْ رأسها وشرعتْ تبكي بحرقة.. نهض من مكانه، جلس لصقها، وضع يده على كتفها النحيلة.
"ما بكِ آنستي، منذ قليل كنتِ تتحدثين عن الغرام والأزهار والكريستال هل أنتِ متعبة؟"
واصلت نشيجها. غطتْ وجهها براحتيها. شرعت تمستْ دموعها الحارة وتفرك أنفها الدقيق.. لاحتْ حبيبات العرق على جبينها.. وأمسى حاجباها الجميلان نديين.
"إهدأي يا أمل. لا يجدر بك أن تذرفي الدمع. طلبتُ منكِ مرات كثيرة أن تتحلي بالهدوء وأن تبتعدي عن كل ما يقلقك.."
استولى عليها غضب عارم. هبتْ واقفة، رفعت مزهرية الكريستال ورمتها بقوة على بلاط الشقة.. تكسرتْ المزهرية إلى شظايا صغيرة، تطايرتْ وتناثرت في أنحاء غرفته، وربما سقط بعض منها على كتبه ومجلداته المركونة في مكتبته.. كان لصوت تكسرها أثر السكين فوق جلده.
قالت أمل محنقة:"كيف لا أقلق، دكتور، كيف لا أقلق."
لزم الصمت. بعد قليل هدأت أمل ورفعت إليه عينين طافحتين بالحزن.
قالت باعتذار:"أنا متأسفة.. أنا زائرة خطيرة.. أفسدت عليك ليلتك.."
بقيت جالسة أمامه. تكفكف آثار دموعها. وتهدئ نفسها.
شرد ذهنها عنه ثانيةً.
أنا فعلًا إنسانة غريبة.. أي زائر هذا يشرب قهوة مضيفه ويكسر مزهريته. أنا، دكتور، لم آتِ لآخذ قرصًا مسكنًا. ولا حبوب الفاليوم.