فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 77

عدتُ إلى الكرسي الدوّار. كان الألم قد بدأ يخف. قلتُ لها."شكرًا"ياسمين."بعد برهة أضفتُ قائلًا:"ألم الفقرات يضايقني أحيانًا. الآن، أعالج مرضاي وأنا جالس على هذا الكرسي.""

عادتْ وجلستْ على كرسي الفحص.

تنهدتُ بارتياح. رحتُ أتأمل تقاسيم وجهها. هي ذي موناليزا مدينتي تجلس باسترخاء على كرسي الفحص. كم انتظرتك يا ياسمين. طوال عشرة أعوام كان باب حجرتي هذه منفرجًا قليلًا. تخيلتك تدخلين عيادتي مثل شعاع فضي، فيلامس أضلاعي التي يعربد فيها الحزن. كم تمنيت أن تضرم فتاة مثلك النار في قلبي الذي شرع يشيخ.

بقيتُ أتأمل وجه ياسمين الهادئ، الباسم. نسيتُ سنواتي العجاف. نسيتُ الطرق الموحشة التي اختارتها أقدامي طوال أربعين سنة. نسيتُ الحربين الضروسين.

نسيتُ الماضي. نسيتُ الحاضر. نسيتُ المستقبل. نسيتُ كل شيء. أصبح تأمل وجهها المليح هو الخلود بعينه. كنتُ سجين أيامي الكئيبة، الرمادية، الكالحة. وهأنذا أغادر زنزانتي. إني أطير. روحي تطير. تطير إلى الفضاء."الجمال ينقذ العالم" (1) . موناليزا مدينتي تنقذني من الألم، التعب، اللوعة. تنقذني من الملل والرتابة والهواجس والحزن الصحراوي. الجمال يجعلني أحلم. لا أدري، الآن، هل أنا فعلًا في عيادتي الخاصة المطلة على دجلة أم في مكان آخر من العالم. ربما أنا الآن في وادي الدوردون أو شلالات بيخال أو إحدى جزر اليونان.

شعرتُ بالراحة، غسلتُ كفيّ. أشعلتُ الضياء.

فتحتْ الشابة البيضاء البشرة فمها الوردي. بهرتني أسنانها البيض ولثتها الوردية. انتزعتُ دبابيس شعرها الواحد تلو الآخر. وضعتها على صينية أدواتي الطبية. تأملتُ خصلات شعرها الأسود كالليل. كان حريريًا مرسلًا. أخذتُ سرنجتي المعدنية الثلاثية. صرتُ أنثر الرذاذ. أصابعي الراعشة ترقص في غابة شعرها.

(1) قول شهير لـ مشيكين بطل دويستويفسكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت