فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 77

قلتُ لها:"ياسمين، ما كان يجدر بك أن تأتي إلى هنا. فهذا المكان ليس مرسمًا بل هو عيادة طبية، وأنتِ لا تحتاجين إلى طبيب أسنان بل إلى رسام مثل ديفا. يخيل لي، من اليسير أن يتحول من يعالجك إلى رسام عظيم."

استلتْ ياسمين منديلًا زاهي الألوان من حقيبتها الجلدية الأنيقة.

"لماذا حضرة الطبيب؟"

"أصابعي لا تطاوعني للعمل في أفواه الجميلات. ينبثق السؤال في ذهني، الآن، هل الجمال خلق الفن أم الفن هو الذي خلق الجمال. أحيانًا تهيمن قوة السحر والأبهار على كل أحاسيسي الأخرى."

مستْ أهداب عينيها السوداوين بسبابتها الوردية.

قالت:"ألا تجعلك قوة السحر تسرح في خيالك؟"

"بلى. سرح ذهني في كل أرجاء الدنيا. تارةً أسرد لمن يجلس على هذا الكرسي حكايةً من نسيج خيالي. أو أسطورة قرأتها. كان أستاذي في الكلية يدعوني بـ شارد الذهن. أتخيلك، الآن، راقصة باليه شهيرة ترتدين غلالة وردية وخفين ورديين. أما أنا فأسترخي على كرسي الظلام. أنتِ تسبحين في النور المتوهج وأنا أغرق في الظلام الداجي."

أخرجت حبة هيل من فمها وألقتها في المبصقة البيضاء. مسحتْ فمها بالمنديل الملوّن. أجالت بصرها في عيادتي. نباتات الظل تزين النافذة المطلة على الشرفة. فجأة نهضتْ. طوّحتْ شعرها الأسود إلى الوراء. مشتْ على أصابع قدميها كراقصة باليه حقيقية.

قالت وهي تومئ إلى نباتات الظل:

"هي لا تنال كفايتها من النور."

"هي مثلي تسكن في العتمة. أنا وهي بحاجة إلى النور."

"أتسمح لي أن آخذها إلى الشرفة؟"

هززتُ رأسي بالإيجاب.

فتحتْ باب الشرفة. انحنتْ ورفعتْ الأصص، الواحدة تلو الأخرى. أخذتها إلى الشرفة.

قالت:"هنا، في هذا الموقع، ستنال نباتاتك كفايتها من ضوء النهار. هي شبه ذابلة. في شقتي بموسكو، تنال نباتاتي كفايتها من ضوء النهار، رغم الثلوج والأمطار. وأن أنال كفايتي من دروس الرقص."

ارتأتْ ياسمين، بغتةً، أن تغير موقع إحدى الأصص، فأقعيتُ كي أساعدها. لكنني أحسستُ بألم حاد في أسفل ظهري. عبستُ وجهي، وزممتُ شقتيّ.

سألتني الشابة بدهشة:"ما بك، دكتور؟"

أجبتها وأنا أكتم الألم:"آلام الفقرات. أعاني من آلام الفقرات منذ خمس سنوات تقريبًا."

رفعتْ ياسمين النبتة ووضعتها في مكان آخر.

قالت:"هل أساعدك كي تنهض على قدميك؟"

أجبتها:"نعم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت