فهرس الكتاب
فتحتْ الشابة حقيبتها الجلدية. أخرجتْ مرآةً صغيرةً. راحتْ تتأمل أسنانها. مددتْ لسانها فوق أسنانها الأمامية العليا. أعادتْ المرآة إلى الحقيبة واعتدلتْ في جلستها.
تضوّع عطرها في حجرتي الصغيرة الواقعة في عمارة تطل على دجلة.
تأملتها. شابة في العشرين. بشرة بيضاء، صافية. وجه باسم. مخلوق سماوي، آتٍ من كوكب آخر. قادرة على إثارة الدهشة والخيال. ذراعان شفافتان كالبلور. عينان واسعتان، سوداوان، ضاحكتان. حين تراهما تشعر أنك رأيتَ العالم الواسع، الرحب.
جلستْ على كرسي الفحص المائل قليلًا إلى الخلف.
سألتها:"أنتِ، إذًا، لم تجلسي على هذا الكرسي منذ عشرة أعوام تقريبًا، أليس كذلك؟"
أجابت:"بلى. آخر مرة زرتُ فيها طبيب الأسنان كنتُ في الثانية عشرة."
قلتُ وأنا أتأمل ملامح وجهها:"حتمًا قال لك طبيب الأسنان، آنذاك، أنك تودعين الطفولة. ففي الثانية عشرة، تقريبًا، نودع الطفولة."
ضحكتْ. ردتْ خصلة من شعرها إلى الوراء.
سألتني فجأةً:"دكتور، أتخرجتْ منذ أمد طويل؟"
أجبتها بحزن:"أجل. سنوات طويلة. تلقفتني الطرق الموحشة. محطات الانتظار والأنين."
نظرتُ في بطاقتها الوردية ثانيةً وسألتها بصوت راعش:"ياسمين، أأنت متزوجة؟"
أجابت بصوت ناعم، سمعته بصعوبة بالغة:"لا"ابتسمتْ ابتسامةً طفيفةً وأكملتْ قولها:"إني أدرس الباليه في روسيا".
قلتُ لها مشجعًا:"عظيم! هذه مهنة شاقة. مهنتنا أيضًا شاقة وخطيرة."
قالت بلباقة وذكاء متقد:"أحببتُ الباليه منذ نعومة أظفاري. كنتُ أتدرب على ألعاب الجمناستك مذ كنتُ طالبةً في المتوسطة. ما مبرر حياتنا إذا لم نفعل ما نريد ونتمنى."
أدهشتني كلماتها. لزمت الصمت.
بعد قليل، قالت ياسمين:"سأسافر، دكتور، في غضون أسبوع. أرجو أن تتمكن من معالجتي في أيام قلائل."
ابتسمتُ بأسى. تنهدتُ. لم أجب.
ساد صمت قصير. قالت:"أتسمح لي، أن أخلع حذاءيّ. إني لا أحب العلاج على هذا الكرسي. أحس بالضيق."
قمتُ من وراء مكتبي. جلستُ على كرسي دوّار، قريبًا من كرسي الفحص.
قلتُ لها:"هذا غير ضروري. العلاج سيكون بلا ألم. أما إذا كانت هذه مشيئتك فلا بأس."
خلعتْ حذاءيها. شاهدتُ جوربيها الأبيضين. لفتْ ساقًا على ساق. وضعتْ قدمها اليمنى على قدمها اليسرى بصورة عمودية وكأنها تستعد للرقص.
انحنتْ قليلًا وردتْ حاشية فستانها الأبيض.