فهرس الكتاب
تمنيتُ أن أزورك مراتٍ كثيرة.. لكني كنتُ أجد ما يشغلني. أنت طبيب أخصائي وأنا إحدى مريضاتك المشاكسات.. أتيت لأتحدث معك فكسرت مزهريتك وصرخت بوجهك وربما أسأت الأدب.. لكن.. لا بأس.. فأنا امرأة مهمومة، قلقة، مسهدة، مثل أغلب بنات جيلي.. ما أتيت لآخذ منك قرصًا مهدئًا للآلام. أنا أعرف أنك لا تحتفظ معك بأقراص مسكنة أو مهدئة كيلا تجعل ساكني العمارة يطلبون منك الدواء كل مرة. لكني أفلحت بأن أجعلك تلمس جرحي.. ضع أذنك هنا (تطلعت إليه بأسى ووضعت راحتها تحت نهدها الأيسر مباشرةً) واسمعْ همساته. إسمع همسات جرحي.. أرجوك لا تكتب أشياء خيالية لا أساس لها في الواقع.. اكتب عنا، نحن المهمومين، المنخورين من الداخل، الضائعين بين الرماد المتحركة.. الذين نوشك على الغرق والغوص إلى الأسفل.. إلى الأسفل. الجرح غير الملتئم لا ينبض فقط، بل هو يهمس أيضًا، يهمس أيضًا.. وغالبًا ما يجأر، يزأر، يصرخ، مثلما صرخ جرحي هذه الليلة في شقتك.
قامت لتغادر.. سلمته المسودات. داعب عنقها النحيف الأسمر كالشوكولاته. رافقها إلى باب الشقة. وقبل أن تصافحه قالت باعتذار:"يا لي من زائرة غريبة. غدًا سأشتري لك مزهرية أخرى.. لا يمكننا أن نهشم ذكريات الماضي.."
هز رأسه دون أن يفه بشيء. دارت على عقبيها وشرعتْ تهبط السلالم بلا صوت.
أغلق باب شقته بالمفتاح. تضوع عطرها في غرفته. كيف فاته أن يتنشق العطر طوال فترة مكوثها معه.
عاد إلى طاولته. وضع المحرار في فمه. وبقي جالسًا فترةً طويلة أمام أوراقه وأقلامه. كانت حرارته قد ازدادتْ نصف درجة مئوية لكنه لم يستطعْ أن يكتب تلك الليلة سوى كلمتين في أعلى ورقته البيضاء. كلمتين بارزتين بحروف كبيرة واضحة: همسات جرح.
الكوت 1995
الرذاذ وحبات اللؤلؤ
دخلت غرفتي. ترفل بفستانها الأبيض. الغرفة دافئة. خلعتْ جاكتتها الصوفية الحمراء. بانت ذراعاها النحيفتان. فستانها الأبيض عديم الأكمام.
يزينه في الصدر، عند ملتقى نهديها الصغيرين، (بروش) لماع ذو شذرة وردية.
دنت السكرتيرة السمراء من مكتبي. سلمتني بطاقتها الوردية. انتظرتْ واقفةً. لم تقلْ كلمة. قرأتُ المعلومات المدونة في البطاقة: الاسم، العمر، العنوان، تاريخ آخر زيارة. رفعتُ بصري إلى السكرتيرة. أومأتْ لي بيديها علامة الانتهاء. تراجعتْ خطوتين إلى الوراء. دارتْ على كعبي حذاءيها الأسودين الواطئين. انصرفت بهدوء.