فهرس الكتاب
تترك، فوقي، تلك المرأة، آثارًا من لمسات يديها، خصلاتٍ من شعرها الكستنائي، مسحات شفتيها المكتنزتين المصبوغتين بأحمر شفاه بنفسجي اللون. تضمني إلى صدرها. تقبلني. أتنشق عطرها الجميل. أتحسس نعومة ثيابها الهفهافة. كان الرجل يحب فستانها البنفسجي. حين ينهض من نومه فجرًا تكون السماء بنفسجية اللون.
يغيب عني الرجل أيامًا معدودات. ينتابني قلق شديد. تضعني المرأة على وجهها الناعم. تتشمم رائحة الرجل الغائب. تقبلني. يسيل فوقي ماء أسود حار. لم يخيل لي أبدًا أن البشر يمكن أن ينبجس منهم ماء حار مالح. ما كنتُ أعرف أن في أجسادهم سوائل أخرى غير ذلك السائل الأحمر اللزج الذي كنتُ أراه غالبًا على ملاءة السرير. كان الماء الحار يبللني كلما يغيب عني الرجل. غالبًا تحتضنني المرأة بحنان، تضغطني بقوة، فأكبتُ ألمي حياءً وأتمنى عودة الرجل.
كان الرجل يحلم دومًا بالأسماك الفضية تتراقص في شباكه. أما المرأة السمراء فتحلم دومًا بطفل يحبو فوق أرض الدار الموصوفة بالآجر.
كانت المرأة ترفعني عن الفراش بين حين وآخر، تزيل عني أحلام الرجل وتأخذني إلى سطح الدار. أبقى، هناك، حتى الأصيل. بعدها تنزل بي درجات السلم الحجرية المثلّمة. وتعيدني أنا والوسادة الثانية إلى الفراش الناعم في الحجرة ذات النافذة الواسعة.
عشتُ سنين طوال في تلك الدار. كانت سنين حلوة لا يعكر صفوها شيء.. ثم فجأةً، تغيرت الدنيا، وصرتُ أرى الوجوم باديًا على وجهي الرجل والمرأة. وصار الرجل لا يبكر في نهوضه من النوم.. بل يجلس على تلك الأريكة وسط الحوش ويدخن سكائره بشراهة. أما هي فتجلس إلى جانبه صامتةً تحدق بالجدران التي تشقق كلسها وفي السقف الذي أنهكته الرطوبة.
وذات يوم أحس الرجل بألم في صدره. غادرني متعبًا. جرجر ساقيه بتثاقل. غاب ساعتين ثم عاد وارتمى فوقي. شعر بالغثيان. لمحت حبيبات شفافة على جبينه. أتته المرأة بقدح ماء بارد. قربته إلى شفتيه الذابلتين. وضع قرصًا تحت لسانه. وأغمض جفنيه المتعبين.
أخذ يضع علبة الأقراص الصغيرة تحتي. حين يشعر بألم في صدره، يمد يده إليّ، يرفعني قليلًا، يضع قرصًا تحت لسانه، يتقلب في فراشه. ثم يغفو.
لم يغادرني طوال أسبوع. كانت المرأة تعتني به. تجلب له طبق الحساء، وترفع الملعقة إلى فمه. يبتلع الحساء صامتًا واجمًا. حين يفرغ نصف الطبق، يرفع رأسه ناظرًا إلى سقف الحجرة. يمسح شفتيه بمنديل حائل اللون. ثم يرتمي فوقي ثانيةً.