فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 77

صار الرجل لا يغادرني إلا سويعات قلائل. يجرجر قدميه إلى مقهى الصيادين يحتسي شايًا مرًا. يستذكر مع صديق قديم أيام الطفولة والشباب. صديقه يردد بأسى أغنيته الأثيرة:"يا صياد السمك صد لي بنية". يطفئ عقب سيكارته.. يضرب كفًا بكف.. يطلق حسرةً عميقةً ويهتف قائلًا:"ضاع كل شيء.. جف النهر وتحول إلى ساقية صغيرة."يعود للبيت. يحكي للمرأة عما جرى له في المقهى.. أرهف السمع لكلماته الطافحة بالألم والمرارة.

أخذت المرأة تغيب عن الدار وتعود عصرًا منهكةً، في ثيابها القديمة البالية رائحة قمح. يكسو منديل رأسها الحائل اللون مسحوق أبيض ناعم.

أصيل كل يوم تصنع أقراصًا سمر خشنة. يأكلها الإثنان مع صحني الحساء في الحجرة ذات السرير النحاسي.

حين أخذتني المرأة، ذات يوم، إلى السطح، فوجئتُ بأن الدار تكاد تكون خالية. فقد اختفت الدراجة الهوائية الحمراء ذات العجلات الثلاث التي تمنت أن يعتليها طفل ضاحك الوجه. واختفى ذلك الجهاز الموضوع على الرف الذي كان يصدح بالأغاني ذات يوم.. أغاني الفلاحين في خلال موسم الحصاد، أغاني العشاق في ليالي السهر والانتظار، أغاني الصيادين المسرورين بصيدهم الوفير.. اختفت أشياء أخرى.. لا أدري ربما هي مثلي معروضة للبيع في أحد أسواق المدينة.

أنا مجرد وسادة. وسادة بسيطة رقد فوقها رجل امتلأت شباكه فيما مضى بالأسماك الفضية. هو الآن طريح الفراش، ينهشه الجوع. يمكث في غرفة لم يعد يسمع عبر نافذتها الواسعة صيحات الصيادين، ولم يعد يشم منها عبق نسائم دجلة.

أحدق بوجوهكم يوميًا، وأنتم تمرون بي، كل صباح، ذاهبين إلى مدارسكم، دكاكينكم، دوائركم؛ دوختكم الدنيا.. وجوهكم شاحبة، متعبة، ناشفة.

الشيب شرع يغزو شعوركم. الغضون تلوح على جباهكم وحول شفاهكم المزمومة باستياء. معظمكم يرتدي أَسمال رثة، نفر قليل منكم في ألبسةٍ أنيقةٍ زاهية الألوان.

مع أنكم جميعًا تمرون بي، إلا أن أحدًا منكم لم يكترث بي يومًا، ولم يخطر بباله قط كم قاسيتُ، كم سهرتُ، كم بللني الماء المالح، وكم عانيتُ من الأحلام المزعجة والذكريات المريرة.

عتبي عليكم، أنكم لا ترونني، مع أنكم تحدقون بي يوميًا. لعلي سأبقى هنا في هذا السوق، حتى يأتي رجل أو سيدة، فيأخذني تحت ذراعه، لأبدأ حياةً أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت