فهرس الكتاب
يروق لي، أحيانًا، أن أصف مرايا الفم بهيئة أشعة تنطلق من مركز سطح الطاولة أو المكتب، ولما كانت مقابض المرايا فولاذية لذا تبدو الأشعة فضية. في الرياضيات الشعاع له نقطة بداية وليس له نهاية.. وهكذا هي حياتي مع النساء، كانت لها بداية وليس لها نهاية.. وهذا هو الحال دومًا مع ود النساء، مع أن راسبوتين انتهى نهاية فاجعة، دسّوا له السمّ وألقوا بجثته في النهر.
في الأيام المطيرة، عندما يكون عدد المرضى قليلًا، أغمض عينيَّ وأنتقي مرآةً من المرايا -كان عددها يصل غالبًا إلى عشرين مرآة- أصابعي تصل دومًا إلى مرآة بان أو هيفاء- كان يروق لي أن أمس حمرة شفاه بان على المرآة.. كانت هي تستخدم عطرًا رائعًا وتصبغ شفتيها بلون أحمر قانٍ.. هي لاتبدل لون أحمر شفاهها مع أنها شابة ذات نزوات وعصبية المزاج.. ذات مرة حاولتْ أن تنتحر، كتبتْ على الحائط بقلم الحمرة: آسفة لإزعاجكم.. لكن شقيقها الأكبر أنقذها في اللحظة الأخيرة وانتزع من يدها قنينة السم. هيفاء بائعة متجر، شابة جميلة، ممشوقة القوام، إلا أن أنفها أفطس بعض الشيء.. أما فمها فجميل وشهواني.. هيفاء كانت تصبغ شفتيها بلون ضارب إلى البنفسجي، لماع، بحيث كان فمها يغري بالتقبيل؛ مع أن الأطباء يقولون أن زرقة الشفاه دليل جلي على الإصابة بأمراض القلب.. هي لم تكنْ عليلة أبدًا.. اتهمتني ذات يوم بالقسوة قائلةً.."أنتَ جزار!!"فما كان مني إلا أن صفعتها على خدها.. وبعد ثوانٍ، ثوانٍ معدودات، لا غير، قبلتها قبلةً طويلة؛ مازلت أشك حتى الآن ما إذا صحتْ من قبلتي، أو ربما يجدر بي القول من صفعتي. بعد ذلك بدأتُ أكرهها كرهًا شديدًا، ونصحتها بعد زيارتين أن تراجع زميلًا لي أقل مني قسوةً، فأخذت حقيبتها السوداء ولم تعدْ لي ثانيةً.. وأنا كذلك، هشمتُ مرآتها بمقبض رافعة الجذور.
مرآة وفاء كانت دومًا بعيدة عن أصابعي.. وفاء كانت تزورني كثيرًا. شابة في الثامنة والعشرين أو الثلاثين، هزيلة هزالًا ملفتًا للنظر، فوق شفتها العليا شامة سوداء تضفي على وجهها مسحة من الرقة.. وفاء لم تكنْ طموحة، هي دومًا على شفير اليأس والكآبة.. حاولتُ، مرارًا، أن أنتشلها من قنوطها.. لاطفتها، كتبتُ لها القصائد، كانت تبتسم ابتسامة طفولية، غير أن الحزن مايلبث أن يرتسم على وجهها الأبيض المنمش. عندئذ لم يكن بمقدوري سوى أن أوصلها إلى محطة الباص وأودعها.