فهرس الكتاب
كان المساء في أوله. فدعاني صاحبي إلى كوب قهوة. جلستُ قبالته، وصرتُ أتأمل الشعيرات البيض في ناصيته وفوديه. مد يده اليسرى في جيب سترته ذات الخطوط المربعة. نثر ماتبقى من حبات الزبيب الأسود على الطاولة الخشبية. نظرتُ من خلاله إلى سيدة جميلة تمر أمام المقهى. الواقع، كان المقهى يحتل حيزًا من الرصيف، وكان على المارة أن يترجلوا عندما يصلون إلى هنا، لأن تخوت الخشب والطاولات والنارجيلات لاتسمح بمرور أحد؛ وعلى السابلة، رجالًا ونساءً، أن ينحرفوا في خلال مسيرهم، كي يتفادوا الاصطدام بأحد التخوت أو المناضد أو كسر إحدى النارجيلات. ولأني كنتُ شارد الذهن، ساهم النظرات وكزني في كتفي اليمنى وقال لي:"عدّ الحبات، من فضلك."لم أكن في مزاج رائق، طبعًا.. علاوةً على ذلك، صرتُ مثل آلاف الناس الذين يسكنون النفق أكره العدّ، خاصةً عد الأوراق النقدية. وكان يلزمني، مثلما يلزم آلاف المواطنين في النفق، أن أقضي نصف ساعة في الأقل يوميًا في إحصاء الأوراق المالية.. وتوّجب عليّ أن أعدَّ يوميًا كل تلك المجموعات المتتالية من السلالم، لكنني على أية حال كنتُ أُخطئ في العدّ، فتارةً يشاغلني أحد ما، وطورًا تأخذني فكرة أو خاطرة مابعيدًا فأغفل عن العدّ. لكن أصدقائي العاطفيون دأبوا على عدّها، وكنتُ أراهم يجلسون على السلام كالجنود المخذولين في الحرب.. أما الحالمات من خليلاتي فلم يكترثن بعدد السلالم. أليس من الأفضل أن نعرف متى تفتح أبواب النفق، وهل ستفتح الأبواب كلها مرةً واحدة. وهل يصح ماتردد مؤخرًا من شائعات تفيد بأن الأبواب الخمسة ستظل مغلقةً إلى الأبد؟ هذه الأسئلة شغلت بال نساء النفق وفتياته الحالمات. ولكنها، شأن معظم الأسئلة التي تجول في أذهان مواطنينا، ظلتْ بلا جواب. أسئلة ثقيلة كالرصاص، تجثم على صدور الناس الذين أتعبهم الانتظار والخوف، وصارت أمانيهم أوهامًا لاسبيل إلى تحقيقها.
ولأني كنتُ لا أحبذ إحصاء حبات الزبيب، ارتشفتُ قهوتي على مهل، وقبل أن أسكب في جوفي ماتبقى من الكوب، قلتُ له:"وفّر عليك العدّ. أعرف ما تود قوله."