فهرس الكتاب
حدث ذلك في يوم إجازتها الأسبوعية. يوم سبت، على الأرجح، آنذاك كانت تعمل نادلة في مطعم للأكلات الشعبية. تلبي طلبات الزبائن بوجه باسم. تنحني بأدب جم وتسجل في ورقتها الصغيرة مايطلبه الزبون.. والحق، فإن نجاح ذلك المطعم يرجع إلى ميلاد ذاتها؛ خاصةً إذا عرفنا أنها النادلة الوحيدة هناك، يشاركها ثلاثة ندل نظيفون، يقفون كالحرس، تتدلى على أذرعهم قطع قماش ويمسكون بأيديهم عددًا من الملاعق والسكاكين الفضية. عبارات إسبانية جميلة كانت تفلت من بين شفتي ميلاد المقوستين على غير إرادة منها.. والواقع، كانت ميلاد تطالع كتبًا بالإسبانية في أوقات فراغها، سواء في مقر عملها أو في غرفتها الوحيدة في نزل النساء. المطعم يخلو عادةً من الزبائن في ساعات العصر. تنزوي ميلاد في كرسي خيزران. تقرأ في كتابها وتدخن سيجارتها الأثيرة. ميلاد لم تكن تدخن كثيرًا، حين تعرفت إليها. كما أنها لم تكن مغرورة أو كثيرة المطالب على العكس من معظم الجميلات اللاتي تعرفت إليهن. والحق، ميلاد كانت شابة واقعية، عاشت مصائب كثيرة، وأكسبتها الحياة جرأةً فريدةً.. ميلاد كانت تسمع عبارات الشكر والامتنان من الزبائن، لا بل إن بعضهم كان يترك لها بقشيشًا في صحن الخزف الصيني. وقد حكت لي وأنا أنطلق بها على دراجتي الهوائية إلى شارع الغرام أن أحدهم التهم عدة أطباق من الطعام لسبب وحيد ألا وهو أنه كان متيمًا بها، وكان يريد البقاء في المطعم أطول فترة ممكنة.. ميلاد بالطبع أذهلها هذا الزبون الغريب، وأنها جعلتْ تكدس صحون الطعام على مائدته.. لم يكن الزبون شرهًا، إنما يبدو أنه قرر أن ينتحر، ولأنه لم يكن يتحمل تلك الكميات الهائلة من الأغذية فقد أُصيب بمغص معدي فهرع إليه واحد من أطباء الأرصفة، وساقه محلولًا أبيض سيء الطعم، فقذف مابجوفه من طعام. وبعد استراحة قصيرة، اعتذر عما حصل له. دفع ثمن الأطباق دون أن ينسى بقشيش ميلاد. ذلك الزبون الغريب الأطوار لم يعدْ إلى المطعم ثانيةً؛ لكنه على الأرجح ظل يحلم بها أعوامًا طويلة. كان هو رجلًا دمث الأخلاق، خجولًا، وآثر على أن يعيش بعيدًا عن نادلة المطعم التي ذهبتْ بعقله.