فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 77

مرتْ هي بظروف مادية عسيرة في خلال السنتين الأوليتين في الجامعة.. فتاة لطالما، عاشت عشر سنوات من عمرها في دارٍ للأيتام؛ وعندما دخلتْ الجامعة شرعتْ تواجه واقعها الخشن. شابة طموحة، ذكية، قرأت كل كتب مكتبة دار الأيتام، حفظت أسماء كتاب عراقيين وعرب وعالميين. تخيلتْ البيئة البغدادية في خلال أحداث"النخلة والجيران". وذرفت الدمع حين طالعت بشغف"كوابيس بيروت". صفحات الرواية تبللتْ بدموع ميلاد، فتاة دار الأيتام، التي صارت فيما بعد حبيبتي وزوجتي. كانتْ تستقبلني خير استقبال عندما أعود من عملي، وتموسق عبارتها الإسبانية الجميلة:"ياروح قلبي!".. لم تستطعْ هي التخلي عن عملها في المطعم، خاصةً إذا عرفنا الاحتياجات المادية لزوجين شابين يعيشان في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية، زوجين محكوم عليهما بأن يقضيا ماتبقى من عمرهما في نفق أُغلقتْ أبوابه الخمسة، وصارتْ الأحذية والملابس والكتب تنتقل من مواطن إلى مواطن. اليوم تشتري أنتَ قميصًا بثمن كتاب قديم، أما الآخر فيشتري عدة كيلوغرامات من البرغل بثمن القميص.. وهكذا دواليك.. إن عليك أن تعد كل تلك الأوراق النقدية الكثيرة، في خلال عمليات البيع والشراء.. ويتوّجب عليك أن تضيف، غالبًا، عدة أوراق نقدية، على ثمن البضاعة المباعة.. أما إذا لم يكن بحوزتك شيء من المال، فما عليك سوى الذهاب إلى سوق المقايضات.. إذًا، سادتي، في نفقنا أسواق عديدة: سوق الجمعة، وسوق الثياب المستعملة، وسوق المشاهير.. أنا وميلاد ذهبنا ذات يوم إلى سوق المشاهير، أنا اشتريتُ حذاءً لـ إيف مونتان أما ميلاد فقد اشترتْ لوحة فنية صغيرة من مقتنيات أم كلثوم. كان وضعنا المادي جيدًا، تقريبًا، في خلال تلك الفترة، وصرنا نبذر نقودنا بعض الشيء.. لكننا مالبثنا أن بعنا كل ما اقتنيناه في خلال تلك الشهور القلائل التي تدّنتْ فيها الأسعار. فالنفق الذي نسكنه من سنوات عدة يشهد دومًا اضطرابًا حادًا في الأسعار، لايمكننا أن نصفه كونه ارتفاعًا واقعيًا أو طبيعيًا مقارنةً بما يجري في العالم.. وإذا ما استخدمتُ الآن مصطلح ميلاد حين نعتته بكونه"ارتفاعًا تجريديًا"، فربما أكون بذلك قد اقتربت من الحقيقة فعلًا. كما شهد النفق أحداث كثيرة، وأمراض غريبة لم نشهدها قبلًا، وصرنا نرى مرضى يئنون في المنعطفات، ومجانين قذرين يجوبون الشوارع، يضحكون محمري الوجوه، ضحكات خرساء.. كما صرنا نرى شحاذين على درجات السلالم. كانوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت