فهرس الكتاب
فيما مضى شخصيات محترمة، شغلتْ في سابق الأيام مواقع وظيفية في مؤسسات ومكاتب ساهمت في ازدهار البلاد. عشرات من الشحاذين يموتون على الأرصفة، والسلالم، وفي الشوارع.. لابل حتى في شارع الغرام.. يبدو أن ذلك الشحاذ قرر أن يموت في هذا المكان الجميل، فدفع كل مايملكه لصاحب الدراجات. استأجر دراجةً، لم تكنْ تجلس وراءه عشيقة جميلة ولاقبيحة؛ حدبته هي التي جلستْ وراءه.. إلى شارع الغرام جاء الشحاذ.. التفتُ إليه، وكذلك فعلتْ ميلاد.. الواقع، ذلك المتسوّل الأحدب خطف انتباه العاشقين جميعًا. سمعتُ أحدهم يقول غاضبًا:"اسمعوا ياناس، حتى شارع الغرام عمّه الخراب". الجميع جعدوا أنوفهم، وأشاحوا وجوههم عنه.. لكن المسكين مالبث أن هوى من على دراجته ميتًا.. الدراجة الهوائية اضطجعت فوق المسكين الأحدب على الرمل البارد.
وأن أغرب حادثة جرتْ في النفق، في أثناء السنة المنصرمة، في الأقل.. هي أن طبيبًا من أطباء الأرصفة، من يداوون المواطنين بأعشابهم الطبية، كان في طريقه لزيارة مريض قيل أنه مصاب بمغص كلوي. أعطوه العنوان مكتوبًا بخربشة أشبه ماتكون بخربشات تلميذ ضعيف الكتابة.. الوقت ليل، النفق مظلم، أصحاب السلع والحوانيت أطفؤوا مصابيحهم، الشحاذون أطفؤوا ماتبقى من شموعهم وانزووا في جحورهم.. الطبيب اضطر لاستعمال بطاريته الكهربائية للوصول إلى مريضه، شيخ في الخمسين يعاني من يومين ألمًا فاجعًا.. وماكاد الطبيب المسكين أن ينعطف في شارع فرعي صغير حتى هجم عليه كلب شرس ومزقه شر تمزيق. جثة الطبيب أمستْ وليمةً للكلاب السائبة في النفق.. بطارية الطبيب سرقها عابر سبيل، أما المريض فظل يعاني من الوجع اللعين طوال تلك الساعات القاتلة، دون أن يعلم أن الطبيب مات في الطريق إليه.
أنا وميلاد أمضينا أجمل ساعتين من عمرنا، في ذلك اليوم الخريفي الرطيب.
أنا وميلاد تقاسمنا سريرًا وحيدًا قبل أن نقرر الزواج. ومثلما أسلفتُ، لم تكن ميلاد كثيرة المطالب، لذا اشترينا أثاثًا قليلًا، وحوّلنا شقتنا الصغيرة إلى جنينة متواضعة ربما يحسدنا عليها كثير من أترابنا، أو أبناء جيلنا.