فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 77

أنا وميلاد عشنا سنتنا الأولى في وئام ومحبة نادرين. مع أنني كنتُ أغار عليها من عيون الزبائن الوقحة، وتلميحاتهم التي لاتخلو من المكر. الحق الحق كنتُ أخاف عليها أكثر من خوفي على مستقبلي أنا الذي بات معروفًا لديّ. موظف بسيط في بلدية النفق، عملي يقتصر على قياس مساحة المحلات العامة وتحرير إجازة ممارسة العمل، بعد أن يقوم صاحب المحل بدفع الرسوم التي تنص عليها القوانين السارية المفعول.

ميلاد كانت تطمح بطفل جميل، تتفرغ لرعايته وتربيته وتترك ذلك المطعم الذي عملتْ فيه خمس سنوات أو ست.

ولأن الله لم يرزقها بطفل، داهمتها نوبات قلق وحزن وكآبة.. غالبًا، تكون النوبة في أشد حالاتها، بحيث تنهض من كرسيها الخيزران، وتمزق الجريدة القديمة المبسوطة بين يديّ. ميلاد تكره عادتي تلك.. هي تريدني أن أبعد عن وجهي الصحيفة الصفراء وأصغي إليها.. كنتُ أسمع، بطبيعة الحال، كل كلمة تقولها ميلاد.. لابل حتى الكلمات التي لاتقولها.. ولأني عاشرتُ نسوةً كثيرات فقد كنتُ أقرأ مافي عيونهن، وأتكهن بما يجول في خواطرهن.. ميلاد، واحدة من أعذب النساء اللاتي عشت معهن في خلال العقد الأخير من حياتي.. أحيانًا، تعمد ميلاد إلى مشاكستي، فتثقب صحيفتي بنار سيجارتها المشتعلة، ثم تصيح بي:"دع الجريدة الآن، وإصغِ إليّ.."أنا أكتفي بالصمت، أجاريها، ابتسم بسمةً عريضةً، أقول مع نفسي: أي جميلة في العالم ترضى بزوجٍ صموت مثلي.. ألم تهجرني خليلاتي بسبب ضعف فصاحتي، واختناق الكلمات في حلقي.. ألستُ من حطم أفئدة العذارى بكلماته القلائل، ألستُ من سُفحتْ الدموع على ملاءات سريره، دموع العذارى اللواتي يثوي في أفئدتهن حب مخلص.

الواقع بعض مواطنينا نفد صبرهم، ودفعهم حزنهم إلى أعمال يائسة. في خلال يوم شتائي بارد، شاهدتُ مئات الأشخاص، صبيان تركوا مدارسهم وعملوا ماسحي أحذية على درجات السلالم والأرصفة المغبرة، بائعات آيس كريم متبرجات تخالهن عارضات أزياء أو نجمات سينما أوفتيات إعلان، عاطلين عن العمل يستشعر فيهم المرء الرغبة في الحياة، مئات الأفراد ظلوا يقرعون الأبواب بقوة؛ حمى ضرب الأبواب هيمنتْ على الجميع.. أحدهم ضرب باب النفق الكونكريتي برأسه خلال نوبة هستيريا. الدم تدفق من رأسه مثلما يتدفق من نزف وريدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت