فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 157

وبصوره ولوحاته البكر المبتدعة، كقوله:"مخطئٌ من قال إني مدرك فحوى السؤال، سطوةُ البدء تزيحُ الستر عن عُقم المحال، الجوابُ الفدُّ ما يُخصب في العقل سؤال، صيحة النورس للشاطئ للبحر انتماء، كانتماء القتلِ للمقتول عشق وانتهاء، السنديانةُ تنتهي لكنها تبقى مزار، نتوه ببحر اليقين المعلب في العنعنات، نُباع بطلسم حرفٍ أتانا من الغيب مثل السحاب".

تحس أيها القارئ العزيز، وأنت تقرأ قصائد هذا الديوان، مياسم الفكر القومي الواعي الحصيف، الملتزم بوجدان هذه الأمة وطموحاتها، حيث يدفع الشاعر يوسفُ صياصنة تيَّاره الشعريَّ ليمسَّ أدقَّ التفاصيل ويلمسَ أخطرَ مفاصل الوجع في أساها. ويتغلغلُ الشاعر إلى أعمقِ مكامنِ الوعي بأهداف الأمَّة العربيَّة في الحريَّة والوَحدة ... وتنفتحُ نوافدُ فكركَ بشغفٍ لتلحظَ سعة مناهلٍ المعرفة التي استقى منها الشاعر معارفه، وتلمس غزارة الثقافة التي يرود باسقاتِها، وكثافة المخزون المعرفيَّ بتاريخ هذه الأمة، والأحداث التي عصفتْ بها، حيث شكلَ منها الشاعرُ مادَّته الشعرية.

وعطرُ اللوز .. معرض فني باذخُ من معارض البلاغة، تتألَّقُ فيه موهبةُ يوسف صياصنة الشعرية في سماء اللغة التي تُشرِقُ في الضمائر. ويتأنقُ الشاعُر في اقتناص الصور الغارقة باللون والحركة والظلال. ويبدعُ في اصطياد أجمل اللوحات الفنية المزركشة، فينثرُ في جنباتها أغمارًا مكدَّسةً من الأفكار، والمشاعر، والعواطف التي قلما يتاحُ لنا قراءة مَثلها في ديوان شعري آخر.

يفجؤُكَ المعنى منذُ الصدمةِ الأولى، ويزدهيكَ كلما تأملته، وهو يسافرُ فيكَ، فينمو ويكبر بداخلك، وتكبرُ أنت فيه، فيتعانقُ كبرا كما إكليلًا من الغار ينضفر على حوافي الصور الساحرة، وعلى شفاه الحروف الغافيات على دنان النبيذ المعتقِ في معانيها، فتسكر ويتعتعُها عِطر المشاعر الصادقة في مفاصلها، وروعة العواصف الساجية في مجاليها، وتستبيها لوعة النقاط، ولهفة الفواصل الحافيات سعيًا للوصول إلى المشاركة في تفقد شلالات مواكب المعاني والأفكار والمشاعر الراعفات في بحار القصائد.

القصيدة في ديوان عطر اللوز قلعةٌ حصينة ذاتُ أسوارٍ منيعةٍ، لا تستطيعُ أن تنفذَ إلى كنوزها إلا بسلطان ... لا تنفذ إلى مقالع العنبرِ والمرجان في معانيها، إلا إذا أعملت قدحَ زنادِ الفكر للإحاطة بأساطين بنائها، وأسريت عبر مسارب الزمرَّد والياقوت في مغاور رموزها المحيرة، إلاّ إذا تمثَّلْت الظلال والأفياء في صورها، واستوعبت زخارف فسيفساء أرضية اللوحات المنمقة ... إذا أدركتَ سِرَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت