فهرس الكتاب
عُدْتُ أستطيع كبتهُ، أو أتغلب عليه، فعانيتُ تجربةً إنسانيةً بكل حرارتها، بنارها ودخانها، بطقوسها وكهنوتها. فتشكلتّْ لّديِّ صورة عنها، بكل مضامينها وتفاصيلها، فعبرتُ عنها بالطريقة التي فرضتْ نفسها علىَّ، والصيغةِ التي تنَزَّلتْ بها، ولا تُهمُّني بعد ذلك التَّسْمياتُ أو الشكليات، فقدْ أنتهى كلُّ شيءٍ، وصار من حقي بعد اذاعتها ونشرها أن أسالَ القراءَ الأعزاء أو الأعدقاءَ:
? هَلِ استطعتُ أنْ أنقلَ لهم ما في خاطري؟
? وهَلْ تمكَّنْتُ مِنْ أنْ أُطلعهم عما في داخلي وأعماقي الجوَّانية؟
? وهَلْ جَعلتُهمْ يُشاركونني وجعي وخيبتي؟
? هَلْ وَصَلَ إليهم أوارُ اللهيبِ الذي كُنْتُ أصْطلي به؟
? هَلْ وصلَ صوتي إليهم وحركتهم همومي الوطنية؟
إذا حققتُ شيئًا من ذلك فهذا ما أردْتُ، ولا أدَّعي الكمالَ، فالكمال ُلله وحدهُ. فهل أنامُطالبُ بأكثر من ذلك؟ أرشدوني إن كنتم تعلمون !!
لقد اصغيتُ لتساؤلاتِ منصورٍ بقلبٍ مفتوح، وتناولت مجموعته الثانية وهي الآن بين يديَّ، بغُبارها ودخانها ونارها، أقلبها فأجدُ فيها الجديدَ والفريدَ، أقارِنُها بمجموعتهِ الاولى التي فاجأتْنا بغضبها، وثورتها، وتمردِها، ونارِها المشبوبةِ، فأجدُها هذه المرة قدْ نضجتْ على نارٍ هادئةٍ، على جمر نيران المجموعة الأولى التي خبتْ ألسنةُ الغضبِ فيها. فقد بدأتْ تجربةُ منصورٍ تهدأُ وتتزنُ وتتوازن،،مُشكلةً تيارًا جديدًا، فيه من التجربة السابقة طعومها، ومن المجموعة الأولى طريقتها، وفيها من الجديد قدرة على التعبير أكثرُ، وامتلاكٌ لأدواتِ الفن أفضل بلغة بسيطة مألوفةٍ؛ وهنا يكمنُ سرُّ سحرها وتأثيرها، لأنَّ اللفظَ المألوف في الأدبِ، هو الذي يدفع مشاعرنا إلى التداعي، لأنَّه قدْ تلوَّنَ بِلَونِ نفوسنا.
علمًا أن الكتابة الشعرية بحدِّ ذاتها مغامرة .. إنها سفرُ في المجهولِ والغرابة. واللغة الشعرية بوجه خاصٍ بالنسبة للتجربة الشعرية هي بحدِّ ذاتها خيانةُ .. لأن التجربة الشعرية بعد انتقالها إلى الورق، هي اصغر بكثير من التجربة الداخلية التي يعيشهاالشاعرُ .. والفرقُ بين القصيدة قبلَ، وبعدَ، إنتقالها إلى الورقة، هو الفرقُ بين القُبلةِ والشفة، بينَ الطعنةِ والخنجرِ، بين السكرِ والنبيذِ ... ونارُ الشِّعرِ لا يمكنُ أنْ تضيعَ، فما يُضيءُ من تجربتهِ يُضيءُ، وما يبقى بشكلِ رمادٍ، يبقى بشكلِ تراكُماتٍ خلفَ جُدرانِ النفسِ، ينتظرُ فرصةً أخرى ليضيءَ بدروه ... وهكذا يتبينُ أنِّ الشعرَ كمادةٍ متفجرةٍ، تبقى مطمورةً تحت الجلد والأعصابِ، حتى يحدثَ