فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 157

وينطلق إلى لبنان الدافئ اللذيذ المريح -لبنان القمر والسحر والجمال ... وهناك يلتقي بزميلٍ قديمٍ رآه بين حسناوتين ... فيعرفُه من بعيدٍ فجاء مهرولًا إليه، ولعلّه بحاجةٍ إلى رجلٍ آخر يُريحه من الثانية ... واستقبل كلٌ منهما الآخر بحرارة بالغة، واقتسما الصيد، كانت إحداهما خطيبتهُ، والأخرى شقيقةُ زميله، فتاة رائعة رشيقة، مثله تبحث عن المُتعة البريئة، ولم تكن تبحثُ عن زوج، وإلاّ لفر منها ... وكاد أن يطمئن إليها للطافتها ورَّقتها وبراءتها، لولا خوفه المزمن العاتي من أن يكون لها ماض ...

وفجأة تبرز إيناس دون توقع، لمحها من الخلف جالسةً ترتدي ثياب الحداد، مولِّية لهما ظهرهَا ... ورغمًا عنه، وبعد محاولات يائسة، ينتصر شوقهُ إليها على لباقته، فينسى التي معه ويسيرُ إليها، فتعرفهُ، وتقف لتحييه: أحمد!! أهلًا بك يا أحمد ... يجلسُّ قبالَتها، تسأله عن سبب مجيئه إلى لبنان؟ وكيف ترك البلدَ الذي يعمل فيه؟ أفي إجازة، أم نهائيًا؟ ... فلا يجيب، لأنَّه كان غارقًا بآلاف الأسئلة بينه وبين نفسه ... والهواجسُ تتلاعبُ به، والشكوكُ تعزوه من كلِّ حدبٍ وصوبٍ عن ماضيها، هذا السدُّ الهائل الذي يقفُ بينهما ..."فالرجلُ الحقُّ لا يعيبُ على الفتاة ماضيها، وهي الأضعف كما يفترِضُ فيها، ولكنّ الرجل من يعيب على نفسه، أن يستغلّ ثقة الفتاة؛ ويجعلَ لهاماضيًا، منفصلًا عن مستقبلها .."وأنهيا حديثهما ورجتهُ أن يهب إلى رفيقته التي تركها لوحدها ..

ربابُ الرقيقةُ الرائعة المتحضرة، أخت زميله، خفّفت عنه الكثير ولولاها لانفجر، أو ربّما انسحق تحت مطارق أفكارِه السوداء التي لا ترحم، ولا يقرُّ لها قرار ... فأشفق عليها، واحترمها، فهي لا تسعى للزواج، بل إلى المتعة المبّرأة عن أي غرض ... أمّا إيناسُ فهي التي سمّمتْ حياته، وشوشت أفكاره، ونصبت حاجزًا عاليًا بينه، وبين أيّة امرأة أخرى ... لا، لا، لا دخل لها، بل شعورهُ نحوها هو الذي أقام تلك السدود.

وبعد صراع عنيف حزَم أمرهُ وذهب إلى فندقها علّه يحصلُ على جوابٍ شافٍ منها، فأقبلت بشحوبها وقد ازداد وضوحًا، وضعفها الذي تحاول إخفاءه، وسألها: إيناس هل أنت مريضة؟ ... فأجابته، ودار بينهما حوار طويل ثم لفهما الصمت، عزّاها بوفاة والدها ... وانتهت إجازة إيناس، وعادت إلى بلدها ... أمّا هو فعاد أيضًا إلى بلده، لأنَّه ماعاد يستطيعُ أن يظلَّ في لبنان، وطيفُها يلاحقه، ويقضُّ مضجعَه، ويضخِّم أحزانه، ويضيِّقُ الخنّاقَ حوله.

لم يستطع المكوث في مدينته ... فقد وجد نفسه وقد شدَّ الرحال واتّجه إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت