فهرس الكتاب
قريتها ونزل في بيت أهلها، لتعود من عملها فتجده هناك بانتظارها، ففوجئت برؤيته، ولمحَ في عينيها أكثر من الألم وأقتم من اليأس.
يقولُ: وأسرَّت لي أُمُّها أن إيناس مريضةٌ، وأن في حياتها شيئًا تجهله، ولا تسمح لأحدٍ أن يُشاركها مابِها، وبكت معتذرةً ... ثم طلب من إيناس الانفراد بها، فانتفضت كعصفور اكتسحته برودةُ الطقس، فأدخلتها أمُّها لغرفتها ... وطلب من الأم يد ابنتها بحضورِ صورة الوالد الراحل.
فأجابت الأم قائلةً: إيناس مريضةٌ، وهذا لا يليقُ بك!
إذن لابدَّ من الانتظار حتّى تشفى ... وغادر بلدتها بعد انتهاء إجازته، وعادَ إلى مدينته، ليحزمَ حقائبه، ويسافرَ إلى البلدَ الغريب حيث يعمل.
وحزَّ في قلبه أنّه ترك إيناس على فراش المرض، وعيونُ أمِّها لا تنقطع عن البكاء، وذكرى زوجها الراحل مازالت ماثلةً أمام عينيها ... وكم تمنَّتْ هذه العجوز أن أكونَ أخًا لإيناس لأَرعاها ... وقلتُ لإيناس قبل مغادرتي، إنّي راحل غدًا يا إيناس، وقبل أن أودعك، اطلبُ منك أن تحيطي نفسك بعناية أكثر لتتحسن صحتُك سريعًا، فآتي لآخذك معي ... عِديني بذلك، لأنَّ صحتك تهمُّني، كما تهمُّك تمامًا بل أكثر ... ورغم ذلك كانت تتجاهل كلَّ ما يصدرُ من العيون، وإن كانت إيناس المرأة تستطيع أن تحسَّ بماهو أعمق من أن يقال، وأقدس من أن يحكى.
وبانَ الفرحُ على وجهِ الأم وهي تستمع لحديثي، وتابعتُ: إيناس سيكونُ مستقبلنا مليئًا، سنحسُّ دفءَ الحياةَ معًا .. فتمتمتْ إيناسُ: لا، لا ياأحمد، لا تقلْ ذلك، لا تقُلْه أبدًا ... فأنا لا أستحقُّ منك كلَّ ذلك ... وظلَّت تحكي حتى شرقت بدموعها، وهربت من مجلسنا، فسكتُّ رغمًا عنّي، وانصرفت.
حاولت أن أُبقي على صِلتي معها بكل الوسائل، بالهاتف، بالرسائل، بالذكريات، إلى إنْ كانت ذاتُ رسالةٍ، حكتْ لي القصّة بأكملها، بل كان في الأمر أكثر من قصّة:
قصّة فتاة قضت طفولتها وشبابها في مجتمع ظالمٍ، رفضتْ الزواج من ابن عمها، ودرست عنادًا لإهلها، لأنّ الدراسة للذكور، فبزّت أقاربها ذكورًا وإناثًا، وتخرّجت طبيبةً بجدارةٍ، لتُثبِت عكس مقولاتهم، وتعزز أنوثتها ... ولم تترك مجالًا لمتحَدِّثٍ، أو فرصةً لمتخرصٍ حسود، كمالًا وخُلقًا، وسلوكًا ... وصارحته أنّها ماعرفت الحب الحقيقي إلاّ منذ عَرَفتْهُ ... أماتجربتُها الأولى، فكانت أبعد ما تكون عن الحبِّ وعبيره ... وهي لم تقدِّم شيئًا، ولم تخسر شيئًا في تلك التجربة ... إلاّ