فهرس الكتاب
أنَّها عاشت في بيئةٍ ذات أفكارٍ معينة وتأثرت بها، وكان ردُّ فعلها عنيفًا عليها، وأحاطت بها ظروفٌ قاسيةٌ عدا تجربتها المُخفقة في عالم الحب الجميل ... ولو أنَّ من أخفقوا بتجربة حُبِّهم أغلقوا على أنفسهم -كإيناس- لمابقي من مظاهر الحياة والأحياء شيء.
المرأةُ دائمًا تملك مايُغيِّرُنا، تملكُ مايقلبُ ثورتنا هدوءًا، ونزقنا حِلمًا، وطيشًا وتعقلًا، أو تعقلنا جنونًا.
وتتصل بأحمد زوجةُ صديقه الطبيب طالبةً منه الحضور إليها، ويذهبُ أحمدُ وفي رأسه ألفُ احتمالٍ ... وصلَ ليرى الفاجعة بعينيها الدامعتين، فصديقهُ الطبيب مشلول وفي غيبوبة نتيجة حقنهِ بالمسكِّنات ... وهي تبكي وتنتحب وتشرقُ بالدموع ... ويضيعُ أحمدُ في لجةٍ من الأفكار الهوج، والحيرة القاتلة، ويتوهُ في عوالم لا تحدُّ، ويستغرقه صمت عميق، لايستفيقُ منه إلاّ على صوتها يُردِّدُ كالببغاء: أنا وحدي وغريبة لا أستطيع .... ويستدعي طبيبًا، يفحص صديقه، ويكتبُ وصفةً، ويذهب باحثًا عن الدواء، ويعودُ به، والطبيبُ مازال يتأمَّل المريضَ وعلائم الأسى والحزن باديةٌ على محيَّاهُ، والزوجة مازالت تنشجُ وتشهقُّ بالبكاء وتكادُ تمزّق ثيابَها ...
انصرف الطبيب، وبقي أحمد يصارعُ آلاف الأفكار والاحتمالات ... ويغرقُ في صمت رهيب ... ويأتي طفلها الوحيدُ من مدرسته، فيذهلُه، ماهمْ فيه من حيرة وحُزن وألمٍ وأسى ... ويرى والده فلا يقوى على احتمال مايراه، وينظرُ إلى أمه"كومةٌ من الفزع. كتلٌ من الأسى ... لم تجدْ شفتاهُ بسؤال، بل تبلور السؤال الخائف، السؤال المرتجف في نظرات العزيز الصغير ... اختلج الخوفُ على الشِّفاه الصغيرة ... ومافتئت صحراءُ العالم وكآبةُ العالم، ووحشةُ العالم أنْ أغرقتْ السؤال في وحشيتها وكآبتها وصمتِها الحزين ... وضاع السؤال المترنِّح في حدقتي الصغير في صمت الكآبة والوحشة ..."
في سكون الفزع وارتجاجات الرعب ... ضاعَ كما يضيعُ نجمٌ صغيرٌ ضعيفٌ في سماء سوداء واسعة مملوءة بالعواصف والرعود ... لم يجبُهُ أحدٌ، وتمثَّل فزعُ أُمِّه في عينيها ... وانتقلت عدوى الرعب إلى عيني الصغير، فتمثّل الفزعُ فيهما ... في حدقتيْهما البريئتين بدا عالم الخوف يرسل أشرعتَه ...."يتابع أحمد الجديد لأحمد القديم:"
"لو كان لك قلبٌ أيُّها الألم لما فعلت ذلك ... ولكنَّك أعمى دون قلب ... وما أكثر من لا يُبصرون بقلوبهم، فيفقدون أروعَ وأبدعَ خلجات الحياة ... خدرٌ بدأ ينقرُ"