فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 157

اختارت ساري بحريِّة وتشبَّثت بحريَّتها وحقِّها في احترامِ اختيارها الذي يساوي وجودها في هذه الحياة، وإنّ تعلُّقها بحبيبها"ساري"يمثل قمة مشروعها النهضوي لمستقبلها، وعندها الاستعداد لأن تناضل نضالًا مشروعًا وفق كل الأعراف والشرائع ... وستظلُّ كذلك بالصبر والتصميم حتى تُحقِّق ماتُريد.

وأمّا مواقف"ديدي"فتمثل ردودَ الفعلِ المريضة للمهزومين، وانهيار عجرفتهم وخيلائهم أمام أضواء الحقيقة الساطعة، وما الاستسلام إلى اليأس والفشل والخيبة، والسقوط في هوة السوداوية القاتلة، إلاّ لأنهم اعتادوا على فرض آرائهم هم فقط، وتنفيذ إرادتهم في كلِّ الظروف وظنهم أنهم يقولون للشيء كُنْ فيكون .... أمّا أن يتمرَّدَ أحدٌ ويُصرَّ على الوصول إلى حقِّه المشروع، فهذا مخالف لرغبتهم وغير مشروع في عرفهم ... فالآخرون ليسوا إلاّ دُمى يحرِّكونها كيفما يشاؤون، وهل للدّمى حق في تقرير المصير؟!

لاحظ أصدقاءُ"دودي"هذا الانقلاب في حياته، وأقلقَهم يأسُه وقنوطُه وعزلته، فحاولوا نُصحه وتنبيهه .. وللأسف كان يثورُ ويغضب، ويطلق ألسنَةَ ثورته في تسفيهِ تصرٌّفاتِ"مايا"وحبيبها"ساري"الذي لا يُساويه جمالًا ولا مكانةً، ويصبُّ جامَ غضبه على"مايا"التي فضَّلتْ"ساري"عليه، تعبيرًاعن حقها في الحرية، واختيار مصيرها وشريك حياتها ... يظهرُ عليه كلُّ ذلك بصورة فجَّةٍ غير مقنعة تفقده احترام الآخرين له وتحملهم على السخرية من ثورته التي لا لزوم لها.

انهزم"دودي"عند أوَّل تجربة مستهجنةٍ لديه، هي حصول الآخرين على حريَّة اختيارهم. وأشدُّ ما يؤلمه أنَّ الآخر أنثى، فليس من حقِّها أن ترفضه ... لذلك ابتعد مغلوبًا على أمره مقهورًا يحرق الإرم، ويود أن ينتحر أو يحرق نفسَه ويزهقها ... سخرت منه الطبيعةُ، والأشياءُ وجمع المعارف والأصدقاء ... وراح يرزحُ تحت أوهام ظلامٍ دامس، وكآبةٍ لا حدَّ لبؤسها، فوهَنَ، وضعفَ وفقد الرغبة في الحياة، كلُّ حُججه المزعومة أنَّ"مايا"فضَّلت عليه آخر ... أمرٌ لا يستطيع احتماله ... فهو الذي يحبُّ ويكرهُ، يحكم ويرسمُ، ويفعل ببقية العصافير مايريد، يقهرهم، يمعسهم، ويحرمهم من حرياتهم، ويجردُهم من أبسط حقوقهم ويُميتُهم ويُحييهم، كالربِّ في السماء يفعل بالعباد مايشاء .... والويلُ كلُّ الويل لمن تسوِّل له نفسه الخروج على طاعته أو التمرُّد على رغباتِه ونزواته ومشيئته! ... وإلاّ فلا تستحقُّ الحياة أن تُّعاش!!

"دودي"العصفورُ المدلل لا يريد الحياة، ويرفض كلَّ الوساطات في إقناعه أنَّ الحياة تستحقُّ أن تُعاش ... ويصر على عناده وعنجهيته، مادامت هذه الحياة لا تخضع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت