فهرس الكتاب
الدين الحنيف.
والشيء الجميل الذي يُبهج النفس في"الأمل الكبير"هو ذلك الوعي المتنامي على امتداد الحدث، عند أبطال قصة الأمل الكبير، بدءًا من المدرسة الابتدائية، ومرورًا بكل المراحل المتعاقبة، هذا التنامي الواعي الذي يُضيءُ الجوانب الجوانية التي تنعكس بالتالي على كل ما يحيطُ بالبطل، داخل هذا الكون الفسيح، فيفسِّرهُ، ويُفلسفُه، وينشرُ خيرهُ ومناقبه على كل ما يحيط به، ومن يتعامل معه بصدق، وأمانة وإخلاص، ويُحدد شكل رؤيته للحياة، ومايتوجَّب أن تكون عليه.
ولا يتوانى في رَتق جوانب الخلل في سلوكيات أبطاله، بل وإصلاحها، إذا كان في هذا الرتق وذاك الإصلاح يزيدُ شخوصه وعيًا وتناميًا، وكأن محمودًا كان يكتب ونصب عينيه أبطال ثلاثية نجيب محفوظ، الذين كان من أهم ما يميزهم، تنامي الوعي عندهم على امتداد الحدث والسرد الروائي.
وأبطال محمود ليسوا بالعمالقة الذين يصنعون المستحيل ويتجاوزون المدركات، ولا هُمُ الأقزام الخائبون الذين لا يلوون على شيءٍ أبدًا، إنهم من عامة الشعب، أبناء عمال وفلاحين، من الذين تدفعُ الحياة مسيرة مواكبهم، فمنهم من ينجح، ومنهم من يخفق، ولكن الاثنين يظلان أسوياء، في نجاحهما وفي إخفاقهما، لا. تتعتهما الأحداثُ، ولا تقذفُ بهما هوج الرياح، فالخطُّ البياني للحياة عند محمودٍ هو هذا الخطُّ السويُّ الصاعدُ، وليس للهبوط عندَه حظٌ ولا نصيب.
أبطالُ محمودٍ من أبناء الطبقة المتوسطة، التي ارتقت بالعمل، تحت رقابة الأخلاق الصارِمة، والعرف والعادة، ولم تغزهم سمومُ الثقافة الفجَّة وتسطو عليه شطحات أنصاف المتعلمين الذين يظنُّون العلم ثورة على القيم الاجتماعية الجيدة، وتعهرًُّا في سوق المبادئ المستوردة، العلم لديهم ليست معلومات تدرس، ولكنه تطبيق وانسجامٌ مع قيم الحياة الخيرة يُضيئها، ويجعلُها ذات طعومٍ مُميزةٍ، يُغني الحياة ويُثريها، ويجعلُها تستحقُّ أن تعاش.
ومحمود، لا يقسِرُ أبطاله على هذا ولا على ذاك، بل يجعلُها سجيةً من سجاياهم، وهو لا يُنطقُهم، إلا بما يتلاءم مع تنامي وعيهم ومعارِفهم وتراكم تجارِبهم اليومية وخبرات حيواتهم المتساحبة على امتداد القص، وأخص بذلك أولئك الذين عاندتهم عجلة الحظوظ في الحياة وسننها، أو أولئك الذين كان ارتقاؤهم عسيرًا على سلِّمِ الحياة، حتَّى ذلك الحارسُ الذي كانت تتبدّى لنا إيجابيات تجاربه، من خلال أحاديثه التي يُضمِّنها عصارة فكره.