فهرس الكتاب
الأحداث لا تغير طبيعة شخوص قصة"الأمل الكبير"تراجعًا، بل تدفعها إلى الأمام، وتزيدُها تصميمًا على مواصلة الارتقاء، وهذالا يعني أن الكوارث التي تحلُّ بهم مفتعلة أوسطحيّةٌ، أبدًا، بل لأن هؤلاء الأبطال أسوياء حقًا وغير معقدين، وهُم لايعرفون الحياةَ إلاّ صعودًا أو ارتقاءً ... فالبطلُ الذي يُفصَلُ من المدرسة من الصف الثالث الإعدادي، هو على الرغم من فقره وضيق ذات يده، لم ييأس بل ظلّ يُكافح بصدقٍ، وهبط إلى العاصمة، وعمل وتابع دراسته، وماشعرَ أنّ الحياة تنكرت له، ولا كانت سوداء متجهمة في وجهه، لأنّه كان مُقتنعًا بكلِّ خطوةٍ يخطوها.
وأوّل ما غزا قلبه مآذنُ المدينة وتسبيحُ الإله فيها، ثم مياهُها العذبة الباردة التي تقنعُك بنعم الله العميمة، ثم رائحة خبزها التي تذكرك بريح الجنّة، وأما صوت جرس القطار الكهربائي، الذي كان جزءًا من الفلكلور الدمشقي، فكان يُشجيه ... ويمعن محمودٌ في رسم جزئياتٍ غابت عن شوارع دمشق اليوم وحواريها، يذكرُ باعة عرق السوس المتجولين ورنين طاساتهم، والسقائين بقربهم المعلقة على أكتافهم، يرشون شوارع المدينة، وباعة الصبار على الأرصفة بزركشاتهم وأصواتهم، وباعة الشوندر و"الحبوب"وغيرها من نمنمات الصُّور في صناديق الدنيا على ظهور المتجولين في كل مكان، هذه التشكيلة الرائعة من اللوحات التي تُغريك في الحياة، وتزيد المدينة بهجةً وعذوبةً، وتقربك منها فتحبُّها وتحبكَ.
يقول:"ما أجملك أيتها العاصمة!! ماأجمل حدائقك وأشجارك وأزاهيرك وأورادكِ!!"وليس عجيبًا من محمودٍ أن يحب الطبيعة الحية الصاخبة في العاصمة الطربة الندية وأنهرها المنسابة شرايين حياة وعطاء، فهو ابن الريف الهادئ الظمئ المستكين، ليس ذلك فحسب بل لأن محمودًا وأبطاله لا يُضمرون إلا الحب، ولا يوجد في قلوبهم مُتسع لغير الخير والجمال ... حتى أن ذلك انعكس على حياة محمود بعد ذلك، فأفنى سني عمره، يحبُّ حتى الذين سبَّبوا له المتاعب وناصبوه العداء ... وكل ماكان يؤرقه، هو كيف يتسع هذا الإهاب الإنساني الذي خلقه الله في أحسن تقويم، لغير الحبِّ وقيم الخير والجمال!؟
ومع ذلك محمودٌ لا يستنكر شرورَ الحياة، ولا تأفُّفه مِنها، لأنه يعتبرُها قضاءً مقدرًا لابُدّ من نفادِه، وماعلى المرء إلاّ أن يتلقى قضاء الله بصبرٍ لا ينفذ، وإيمان لا يتزعزع، وإنما يستلهم اللطف فيه.
ومادُمنا بصدد الحب الذي يحمله القاص تضاعيف قصته -هذا المعنى المجرد المظلومُ، الذي يواجهُ كلًا منا في ربيع شبابه على حينِ غرَّةٍ لانفهمهُ، ولا