فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 157

نستبطنُ أنفسنا عن كنهه، فنضلُّ طريقه، ونتعثر على دروبه في كثيرٍ من الأحيان، فينحدِرُ بالكثيرين منا، وقد يشفى البعضُ الآخر منهُ، تاركًا وراءَهُ جراحاتٍ تظلُّ بين داميةٍ ونازفةٍ، أمدًا طويلًا، وربما على امتداد مسيرة حياته -وحين يقعٌ محمودٌ أو أحد أبطاله في بؤرة الحب فجأةً فيتعلق بزميلةٍ له على مقعد الدراسة، فهي وإن كانت كمايصفُها"جميلة لطيفة ذكية، فأحبها حبًا عذريًا عميقًا نقيًا طاهرًا صافيًا ..."فإنّه يظل متزنًا، عاقلًا، لا يعصف به الحبُّ، ولا يُتعتِعُه العشق، ولا يهونُ به الهوى، بل يتلقاه بنفسٍ مطمئنة، ويُباركه بقلبٍ منيبٍ، بعيدًا عن العقد والنرجسيات، وكأنه أمرٌ طبيعي جدًا لا ريبَ فيه، هوكذلك في الحقيقة والواقع، والخطأُ ألاّ يحبُّ الإنسان، إن لم يُحبب فلعلَّةٍ أو لمرضٍ أو لعقدةٍ ما ... وقد أحبّ محمودٌ أو بطل محمود الحب الصحيح المعافى، الذي يرتقي بصاحبه إلى مستوى الخلق السوي القويم، فيدفعُه إلى الطُّهر والتعفُّف والنجاح، وحتى حين تعرض عليه فتاته الزواج منه إبَّان تقديمها فحص الشهادة الثانوية، حين حلَّ على أهلها ضيفًا لدى نزوله من الريف، يأبى شرفُه ومروءته أن يخدعها أو يغرِّر بها ... ولكنه أيضًا لم يجرح كبرياءها، أو يستهين بعواطفها، يقول:"ولكن الشاب اعتذر عن الزواج حاليًا، لوجود مهام وواجباتٍ أمامه، فظروفه صعبةٌ، وطلب تأجيل بحث الموضوع لما بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية"، ويمضي كلُّ منهما في طريقه، فتتزوج الفتاة، ويتابع هو مسيرته الموزّعة بين انتمائه السياسي ودراسته، حتّى يُنهي دراسته الجامعية، التي فرضت اتجاهاتها عليه، ظروفه المادية، فكانت كليةُ التجارة نصيبُه، ويُقاسي بطلُه آلامًا جسيمةً لاكتساب لقمة عيشهِ، وينال مساعدة الجامعة، وهنا يستغلُّ هذا الموقف ليحدِّثنا عمَّا جرى معه في منطقته أثناء إنجاز إجراءات معاملة فقر الحال، ليُبين لنا سوء الإدارة، وفساد القضاء، وتفسُّخ أخلاق الطبقة الحاكمة في ذلك الزمن.

ويظلُّ بطلُ"الأمل الكبير"ملازمًا لحركة التحرُّر الوطنية وللعمل القومي، ويدفعُ الثمن غاليًا في كل مناسبةٍ من المناسبات الوطنية والقومية، ولكنَّها لا تفُتُّ في عضده، ولا تذهب هدرًا، بل تضيف شيئًا جديدًا إلى مخزونه النضالي، وتعمقُ تجربته التي ستُشكل الهيكل المستقبلي لشخصية البطل الذي يكتشفُ زيفَ الشعارات التي ضحى من أجلها، والإفلاس الفكري للحركة السياسية التي انضوى تحت لوائها، وضيع نصف عمرِه يُعانق طواحين الهواء، ويتبين له خلُّوها من أي مضمون نضالي، على المستوى الوطني، وعلى المستوى القومي، وتصل الأزمة إلى ذروتها، حين يُلقى به في غيابة السجن حينذاك، ليذوق أقسى درجات العذاب والهوان، ويكشف لنا ذلك من خلال رسالةٍ بعث بها إلى صديقته، سرًا، تستحق أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت