فهرس الكتاب
قاعات تلك المحاكم، بينَ القضاة والأسرى .... كما أراد.
وفي غمرةِ من حياته الوظيفية التي كان راتبُها مصدرَ رزقهِ الوحيد، يتعلّقُ بحبِّ زميلةٍ له في العمل تشاركه الفقر والفاقة، ويطلب الزواج منها، ولكنّها تصدُّه برفقٍ، معللة أسباب رفضها، فقر الطرفين، وهي تحلمُ بحياةٍ رافهةٍ وتحبُّ الثراء ... ويفترقان، على أن يظلاّ صديقين .... وينفتح في قلب بطل محمود في"الأمل الكبير"جرحٌ جديدٌ أعمق من مساحة صدره، ليصبح هذا الجرح فيما بعد مصدرًا لنبعةٍ شعريّةٍ حزينةٍ النأمةِ، ستورقِ في مقيلات الأيام لتنعقد ثمارًا دانيات.
ثم تتوالى النكبات على بطل"الأمل الكبير"، فيرسب في نهاية امتحان السنة الجامعية الثالثة ... ثم يمرضُ أبوه ويقضي نحبه"تاركًا وراءَه زوجةً وأحد عشر ولدًا"... ليصبح هو المعيل الوحيد لهم ... ثم ينقسمُ التنظيمُ الذي ضيَّع عمره من أجله .. إلى يمينٍ ويسارٍ، وشيعٍ وأفكار، وهو الذي كان السبب في فشله في سنته الدراسية الثالثة، وما أصابه من ويلاتْ ... إزاء ذلك كله يقرّرُ البطل اعتزال العمل السياسي، ويكرّس جهدَهُ لإطعام إخوته وتربيتهم بمساعدة أمه وأخواله .... ومن أجل ذلك، ناصبته عناصر تنظيمه العداء، ومارست عليه الضغوط، والإرهاب، ولكنه لم يرضخ ولم يستسلم، ويتابع دراسته بعد حرمانه من المساعدة الجامعيّة لرسوبه، ويتخرّج من الجامعة، ليعمل في مؤسسات الدولة، وتتحسنُ حالُه قليلًا ويظلُّ على صفاته وحبِّه لكلِّ أصدقائه من أحسن منهم ومن أساءَ ... ثم ينهجُ كبقيةِ خلق الله فيتزوج من ابنة عم لأبيه، فتُسعده، وكأنّ القدر أرادَ أن يبتسم له ويعوِّضَهُ عن كلِّ ما أصابه من نكباتٍ وأخفاقات ....
فتغدو هذه الزوجة له أمًا وأختًا، وأبًا، وصديقًا، تتسعُ أخلاقها لتستوعب البطل ومن لفّ لفهُ، مقدرةً لمسؤولياته الجسام، فتشاركه حلوَ الحياة ومرها، بنفسٍ مطمئنةٍ راضيةٍ، وقلبٍ كبيرٍ يتسع لحبِّ الجميع.
دون أن تغفلّ عن نفسها وبيتها الذي أصبح جامعةً يتخرجُ منهُ الواحدُ بعدَ الآخر، حتّى أنجبت، وربَّتْ، وعلمتْ، ومازالت تستقبلُ وتودِّعُ، دونُ كلل أو ملال، تتجدّد مع الزّمن وتشبُّ مع الأطفال والشباب.
إثر كلّ تلك الأحداث المروِّعة، وماأفاءَهُ الله على البطل القصصي لمحمود، تتعمق المشاعر الدينية لديه، وكأن القاص اتخذها وسيلةً ينقلُ من خلالها آراءه ورؤاهُ، فيحيا حياةً نظيفةً المظهرِ والمخبرِ ... ويُعيدنا بلمسةٍ ناعمةٍ إلى سيرةِ بطله الذي يُصادق رجلًا يلقّبُ بأبي الهول، لطيف المعشر، حلو الحديث، نقيَّ السريرة، يروي على مسامعه رؤيةً أرمضته، تتصل بسبب أو بآخر بالكوميديا