الصفحة 107 من 115

وكم من أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه وإعانته له على شهوته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة..

فإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء.

والحذر كل الحذر من تمكينه من تناول ما يزيل عقله، من مسكر وغيره أو عشرة من يخشى فساده، أو كلامه له أو الأخذ من يده، فإن ذلك الهلاك كله، ومتى سهل عليه ذلك فقد سهل الدياثة ولا يدخل الجنة ديوث..

فما أفسد الأبناء مثل تفريط الآباء وإهمالهم واستسهالهم شرر النار بين الثياب، فأكثر الآباء يعتمدون مع أولادهم أعظم ما يعتمده العدو الشديد العداوة مع عدوه وهم لا يشعرون..!!

فكم من والد حرم ولده خير الدنيا والآخرة، وعرضه لهلاك الدنيا والآخرة، وكل هذا عواقب تفريط الآباء في حقوق الله وإضاعتهم لها، وإعراضهم عما يوجب الله عليهم من العلم النافع والعمل الصالح حرمهم الانتفاع بأولادهم، وحرم الأولاد خيرهم، وهو من عقوبة الآباء.

ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره ما كان مأذونًا فيه شرعًا..

فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له.

فإذا وجده حسن الفهم صحيح الإدراك جيد الحفظ واعيًا، فهذه من علامات قبوله وتهيئته للعلم، لينقشه في لوح قلبه ما دام خاليًا فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه.

وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه وهو مستعد للفروسية، وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها، فإنه أنفع له وللمسلمين..

وإن رآه بخلاف ذلك فإنه لم يخلق لذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع مستعدًا لها قابلًا لها وهي صناعة مباحة، نافعة للناس، فليمكنه منها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت