الصفحة 81 من 115

هكذا وقف الإسلام من عتق الرقيق، وفتح له أبوابًا وسبلًا كثيرة جدًا، رغبة في تحرير الرقيق وتقليل الرق، كما قطع كل سبل الاسترقاق التي كانت سائدة في العالم قبل الاسلام، إلا طريقًا واحدة عادلة، وهي المعاملة بالمثل، وقد مضى بيانها.

هل يجوز الاتفاق على عدم استرقاق الأسرى بميثاق ملزم؟

إذا كان بقاء الرق في الإسلام، معقول المعن، وهو معاملة الأعداء الذين كانوا يسترقون الأسرى، بالمثل، فهل يجوز للمسلمين الاتفاق مع المحاربين من غيرهم، على ميثاق يلغي الرق من الجانبين؟ بحيث لا يسترق الكفار الأسرى من المسلمين، ولا يسترق المسلمون الأسرى من الكفار؟

الذي يظهر لي أن ذلك جائز يجوز للأسباب الآتية:

السبب الأول: أن الاسترقاق جائز وليس بواجب، والدليل على عدم وجوب الاسترقاق، قوله تعالى:

(( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ) ) [محمد (4) ]

وقد رأى بعض العلماء، أن هذه الآية منسوخة، بآية السيف، وهي قوله تعالى: (( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) ) [التوبة (5) ]

وحكى ابن كثير عن بعض العلماء عكس ذلك، وهو أن آية محمد هذه نسخت آية التوبة فيما يتعلق بالأسرى [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (2/338) ]

والصحيح أن كلتا الآيتين محكمتان، ولا نسخ في أي منهما، لأن الأصل عدم النسخ، ولا يلجأ إليه إلا عند عدم إمكان الجمع بين النصين، وليس بين الآيتين تعارض، لأن آية التوبة فيها الأمر بقتل المشركين، أنى وجدوا، وأخذهم، وحصرهم، وسورة محمد فيها هذا المعنى وزيادة، وهو تخيير المسلمين بعد الإثخان في العدو - بين ثلاثة أمور، وهي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت