الصفحة 2 من 14

الصكوك الإسلامية(التوريق)

وتطبيقاتها المعاصرة وتداولها

المقدمة

الحمد لله رب العالمين وبه نستعين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اهتدى بهداهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وبعد

إن المعاملات المالية من أهم مجالات الحياة اليومية، كما أنها أكثرها نشاطًا وتطورًا، إذ تتجدد وتتطور صور وأوجه هذه المعاملات تبعًا لنشاط وتشعّب الحياة الحديثة. ومن أحدث وأبرز هذه التطورات ظهور عملية التصكيك أو التوريق بين المؤسسات المالية الإسلامية في سائر أنحاء العالم. ففي هذا البحث المتواضع، سنتناول موضوع التصكيك أو التوريق من حيث مفهومه، دوافعه، وأنواعه، وأساليبه، لننتهي إلى محاولة التكييف الفقهي لهذه العملية، وأركانها، وأصولها، وضوابطها.

وقبل الشروع في صلب البحث ننظر إلى المنطلقات العامة لهذه القضية ووضعها من الاجتهاد المعاصر ومتطلباتها، وذلك باعتبار أن عملية التصكيك بصورتها الراهنة من النوازل والمستجدات التي لم تسبق إليها العصور السابقة حتى لدى الغربيين فهي من المنتجات التى ابتكرتها الصناعة المالية الحديثة. وبما أن النصوص في مجال المعاملات المالية والقضايا المتعلقة منها الصكوك الإسلامية، بمثابة القواعد العامة والأصول أو المبادئ الأساسية -بدون التفصيل في أحكام الجزئيات والفرعيات-، يعتبر مجال المعاملة المالية أوسع مجالا لتقبل الاجتهاد، كما أننا في أمس الحاجة إليه لضمان سيرورتها مع روح الشريعة ومرادها.

وانطلاقا من هذه المقدمة فإن المعاملات المالية بصورها المتعددة والمتداولة بين الناس تقوم على عدة أصول كلية ينبغي اتخاذ تلك الأصول معيارًا من المعايير التي يحتكم إليها فيما يستجد من معاملات مالية، من أهمها قاعدة إن مدار المعاملات المالية تقوم على تحقيق مصالح العباد، وقاعدة الأصل في المعاملات المالية الإباحة.

فالأصل الأول أن المعاملات المالية تدور مع المصلحة في أحكامها لأن الشريعة كما قال ابن تيمية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. [1] فالنظر في المعاملات، خصوصًا المعاملات المالية ينبغي أن ينطلق من مدى تحصيلها للمصلحة أو دفعها المفاسد عن العباد. ومن رحمة الله تعالى على العباد، أن القرآن والسنة لم يأتيا بتفاصيل أحكام المعاملات المالية، بل جاءا بالمبادئ الكلية والأصول العامة، لأن المصالح في هذا المجال تتغير وتتطور على الدوام.

وبناء على هذا، فإن مجال الاجتهاد الاستصلاحي [2] واسع في المعاملات المالية، وينبغي العمل به عند إرادة بيان حكم الشرع في مستجدات العقود والمعاملات المالية، ترشيدا لها وتحقيقا لمقاصد الشرعية العامة في الأموال.

(1) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن القاسم، (بيروت: دار العربية، 1978، جـ 13/ ص 96.

(2) الاجتهاد الاستصلاحي هو الاجتهاد في تحديد روح الشريعة بصورة عامة ليتخذ منها أصول التشريع للحكم في كل حادث جديد بطريق الاستصلاح. انظر الدواليبي، محمد معروف، المدخل إلى علم أصول الفقه، (د. م.:دار العلم للملايين) ، ط 5، 1965م، ص 434.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت