وأما الأصل الثاني فهو من القواعد الفقهية التي جرت على لسان الفقهاء، وهي قاعدة الأصل في المعاملات المالية الإباحة، ما لم يوجد فيها نص. وفي هذا يقول ابن تيمية:"اعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتباين أوصافها أن تكون حلالًا للآدميين، وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ملابستها ومباشرتها وممارستها". [1] وقال الشاطبي: والأصل فيها - أي المعاملات- الإذن حتى يدل الدليل على خلافه. [2] وهذا بخلاف العبادات فإن الأصل فيها عند عامة الفقهاء التوقف أو الحظر.
والدليل على هذا الأصل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} . [3] ووجه الدلالة من الآية هو أن الله خلق جميع ما في الارض للناس وجعلهم مملّكين ممكّنين لجميع ما فيها من المنافع. [4] ومنها قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ} . [5] فالآية صريحة في إنكار من حرّم رزق الله بدون دليل مما أنزل الله. وبالتالي فإن الأصل في الأشياء وفي المعاملات هو الإباحة.
ومن الأحاديث ما يؤكد هذا المعنى فمنها ما روي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله: ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا. [6] يدل الحديث على أن الأمور المسكوت عنها راجعة إلى الإباحة الأصلية فيجب الأخذ بها رحمة من الله على عباده.
إن هذا الأصل عظيم الأثر في ميدان المعاملات المالية، لأنه يفتح المجال للاجتهاد بأنواعه المختلفة، ويتيح الفرصة لاختراع واستحداث صور مختلفة للعقود والمعاملات المالية، لأن الأصل فيها هو الإباحة الأصلية، بشرط مراعاة عدم مصادمة نص من الكتاب أو السنة. [7] ويتجلى من هذا الأصل أيضا مرونة الشريعة في المعاملات المالية ليستوعب ما يستحدث ويستجد في حياة الناس من أشكال العقود والمعاملات، منها ما نحن بصدد الكلام عنه وهو التصكيك أو التوريق.
مفهوم التصكيك/ التوريق
الصكوك لغة جمع صك ويراد به: وثيقة بمال أو نحوه، وفي اللغة العربية يقال: صكه صكا أي دفعه بقوة، وفي القرآن الكريم: فصكت وجهها، [8] أي لطمته تعجبا، وصكت الباب أي أغلقته والصك لفظ معرب يقصد به وثيقة بمال أو نحوه. [9]
أما اصطلاحا، يلاحظ أن كلمة التصكيك والتوريق والتسنيد تستعمل كمفردات لمسمى واحد، أي تشير إلى نفس المعنى. إلا أن مصطلح الصكوك قد انصب في عقول الجمهور على خصوص الاستثمار الإسلامي الذي ينسجم مع أصول وأحكام الشريعة الغراء. وأما التوريق أو التسنيد فلا يشتهر استعمالهما عند الباحثين في الاقتصاد
(1) مجموع الفتاوى، جـ 29/ ص 151.
(2) الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى، الموافقات في أصول الشريعة، (بيروت: دار المعرفة) ، ط 4، 1999م، جـ 1/ ص 253.
(3) البقرة: 29
(4) الندوي، على أحمد، جمهرة القواعد الفقهية في المعاملات المالية، (الرياض: شركة الراجحي المصرفية للاستثمار) ط 1، 2000م، جـ 1/ ص 439.
(5) يونس:59
(6) الحاكم، النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، (بيروت: دار المعرفة) ، جـ 2/ ص 375.
(7) عطية، جمال الدين، البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم، التقليد والاجتهاد، النظرية والتطبيق، (قطر: دار الكتب القطرية) ط 1، 1986م، ص 125 - (بتصرف) .
(8) الذاريات: 29
(9) لسان العرب، مادة (صك)